من ثقافة النظام إلى ثقة المواطن
من ثقافة النظام إلى ثقة المواطن
رصد المغرب/مراد مجاهد
حين يشعر المواطن بالعدل في معاملة بسيطة، تستعيد الدولة جزءًا من هيبتها.
إن الكتابة عن نبض الإدارة في تقاطعه مع هموم الناس لا تعني تعداد خدمات أو رصد إجراءات، بل تعني مساءلة الفكرة الأخلاقية التي يقوم عليها المرفق العمومي باعتباره مرآة لكرامة الدولة وهيبة مؤسساتها، لأن الإدارة في جوهرها ليست جهازًا تقنيًا بل عقد ثقة غير مكتوب بين السلطة والمجتمع، ومن هنا يكتسب استحضار خطاب العرش لسنة 2017 دلالته العميقة حين نبّه جلالة الملك محمد السادس إلى أن اضطرار المواطن للالتجاء إلى أعلى سلطة لقضاء حاجاته اليومية ليس مصدر قوة للدولة، بل علامة على خلل في المسارات التي يفترض أن تقوم بخدمته، وهو تنبيه لم يكن مجرد تشخيص ظرفي، بل إعادة تعريف لمفهوم الإدارة نفسها: إدارة تُقاس بقدرتها على جعل الوصول إلى الحق أمرًا عاديًا، لا استثناءً يفرض على الناس البحث عن وساطات أو أبواب عليا.
فالرسالة التي حملها ذلك الخطاب لم تكن نقدًا للمواطن الذي يرفع صوته، بل تنبيهًا للمرفق العمومي كي يستعيد وظيفته الأصلية: أن يكون المسار الطبيعي للإنصاف، وأن يشعر المرتفق بأن حقه يُصان داخل الإدارة قبل أن يبحث عنه خارجها. فالدولة التي يضطر فيها المواطن إلى تجاوز القنوات المؤسساتية ليصل إلى حق بسيط، ليست دولة ضعيفة في سلطتها، بل في ثقة الناس في وسائطها.
وهو المعنى نفسه الذي كانت تجسده صرامة المسؤولية عند عمر بن الخطاب حين ربط المنصب بالقرب من الناس لا بالارتفاع عنهم، فتصبح السلطة حينئذ تكليفًا أخلاقيًا قبل أن تكون موقعًا إداريًا، وفي هذا الأفق تبرز قيمة النماذج المهنية الشابة التي نعاينها في بعض المرافق الحيوية، كمراكز التنقيط مثلًا، حيث يتحول الانضباط في بعض التجارب إلى ثقافة عمل لا مجرد نص قانوني، لأن المسؤول الذي يفهم أن الهيبة تُبنى بالإنصاف لا بالخشونة، وبوضوح المساطر لا بتعقيدها، وبحل الإشكالات بكفاءة صامتة لا باستعراض سلطوي، هو الذي يعيد للمواطن ثقته في المؤسسة دون أن يطلبها.
ولعل الذكاء التدبيري الحقيقي ليس في الإفراط في الصرامة ولا في التفريط فيها، بل في القدرة على الجمع بين قوة المحاسبة وروح التواصل التي لخّص حكمتها معاوية بن أبي سفيان حين جعل الاستقرار ثمرة توازن دقيق لا نتيجة غلبة عابرة، فالإدارة التي تنجح ليست تلك التي تُظهر قوتها، بل تلك التي تجعل الحاجة إليها طبيعية، وتُشعر المرتفق بأن النظام وُضع لحمايته لا لاختباره، وأن المسطرة وُجدت لضمان حقه لا لإرهاقه.
ومن هنا فإن الإصلاح الإداري لا يبدأ من الشعارات ولا من اللوحات المعلّقة على الجدران، بل من التفاصيل الدقيقة التي يشعر معها المواطن أنه شريك في حفظ هيبة المرفق لا مجرد رقم في سجلاته، وبذلك يصبح الانضباط تعبيرًا عن أمانة الدولة في حق مواطنيها، لا مجرد امتثالهم لقوانينها، ويغدو الاعتراف بهذه النماذج ليس ثناءً على أشخاص بل تثبيتًا لمعيار ينبغي أن يسود، لأن الدولة التي تُقدّم العدل في تفاصيل المعاملات اليومية هي وحدها التي تحصّن مشروعها في القضايا الكبرى.
وفي هذا المعنى تحديدًا تتجدد دلالة خطاب العرش لسنة 2017، لا كواقعة خطابية عابرة، بل كميزان دائم تُقاس به جودة الإدارة: فإذا وجد المواطن حقه بسهولة داخل المرفق العمومي، استقرت ثقته في الدولة، وإذا احتاج إلى البحث عنه خارجها، فذلك إنذار بأن الإصلاح لم يكتمل بعد. ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس في أن يُعبّر المواطن عن رضاه، بل في أن يجد هذا الرضا طريقه الطبيعي في تجربة يومية بسيطة، حيث يصبح الباب الأمامي للإدارة مفتوحًا كما ينبغي منذ البداية.
إرسال التعليق