من نقد الغباء الاصطناعي إلى تبرير التيه المعرفي في رد الصادق العثماني على الدكتور أحمد الريسوني

رصد المغرب/عبد المولى المروري 

ربما كان الرد الذي كتبه الصادق العثماني (أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية) على مقال أحمد الريسوني أن يُعتبر إضافة فكرية حقيقية للنقاش الدائر اليوم حول الدين والعقل والإلحاد والتحولات المعرفية المعاصرة، لو أنه تعامل مع المقال بوصفه أطروحة فكرية قابلة للنقد والتحليل والتفكيك، لا بوصفه خطابًا شعبويًا يستهدف “شيطنة” المخالفين. لكن المشكلة الأساسية في هذا الرد أنه لم يناقش المقال كما كُتب، بل ناقش صورة ذهنية أعاد هو نفسه تركيبها، ثم انطلق في نقدها وإدانتها، ولذلك بدا النص في أجزاء كثيرة منه أقرب إلى محاكمة نوايا ومضامين مفترضة، لا إلى تفكيك حقيقي للأفكار الواردة في المقال.

فالريسوني حين تحدث عن “الغباء الاصطناعي” لم يكن بصدد وضع نظرية في قياس الذكاء العقلي للبشر، ولا بصدد الادعاء أن كل مؤمن عبقري، وأن كل ملحد أحمق، كما حاول الرد أن يوحي بذلك، وإنما كان يتحدث عن ظاهرة معروفة في القرآن وفي التراث الفكري والإنساني عمومًا: وهي ظاهرة تعطيل العقل حين يصطدم بالحقيقة التي لا توافق الهوى الشخصي أو المصلحة الذاتية أو الموقع الاجتماعي أو الرغبة النفسية.. وهذا المعنى ليس اختراعًا جديدًا، بل هو من صميم الخطاب القرآني نفسه، حين يتحدث عن أقوام: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}. فالآية لا تتحدث عن غباء ذهني، بل عن انحراف إرادي وأخلاقي في توظيف العقل.
وهنا وقع الصادق العثماني في أول منزلق منهجي، حين اختزل مفهوم “الغباء الاصطناعي” في معنى التحقير العقلي المباشر، بينما السياق الكامل للمقال يدل على أن المقصود هو تعطيل وظيفة العقل الطبيعية لصالح التبرير الأيديولوجي أو النفسي أو المصلحي. وهذا المعنى في الحقيقة ليس بعيدًا حتى عن بعض المفاهيم الحديثة في علم النفس المعرفي، مثل “التحيز التأكيدي” و”العقلنة الدفاعية” و”الإنكار النفسي”، حيث يصبح الإنسان قادرا على تجاهل الوقائع الواضحة حفاظًا على انسجامه النفسي أو مصالحه أو صورته الذاتية.
أما في القرآن الكريم فيقول الله سبحانه وتعالى تأكيدًا على ذلك: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: 23].. فهنا الضلال وقع “على علم”، أي إن المشكلة ليست دائمًا في نقص المعلومات، بل في خضوع العقل للهوى حتى يفقد وظيفته التوجيهية.
وقوله تعالى أيضًا: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، وهي من أعمق الآيات في التفريق بين القدرة الذهنية المجردة وبين البصيرة الأخلاقية والمعرفية.
لكن العثماني، بدل أن يناقش هذه الفكرة في عمقها الفلسفي والنفسي، فضّل نقل النقاش إلى مستوى آخر يقوم على استدعاء مفاهيم مثل “التعقيد الإنساني” و”الأسئلة الوجودية” و”أزمة المعنى في الحداثة”، وكأن مجرد وصف الظاهرة بأنها معقدة يمنع إصدار أي حكم نقدي عليها. والحقيقة أن التعقيد لا يعني البراءة، كما أن الفهم لا يعني التبرير.. فكون الإلحاد أو العبثية أو العدمية نتاجًا لتحولات حضارية ونفسية وتاريخية لا يجعلها صحيحة أو سليمة أو متوافقة مع الفطرة الإنسانية، وإلا لكان كل انحراف فكري أو أخلاقي قابلا للتبرير باسم “تعقيد الإنسان”، لذلك قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14].
وهنا يظهر الفرق بين المنهج المقاصدي الحقيقي والمنهج التبريري المتأثر بالنسبية الفكرية المعاصرة.. فالمقاصد الشرعية لم تأت فقط لفهم الإنسان، بل جاءت أيضًا لحماية الإنسان من الانهيار العقدي والأخلاقي والمعنوي. ومن أعظم مقاصد الشريعة حفظ العقل، لكن حفظ العقل في الرؤية الإسلامية لا يعني فقط حماية الدماغ من الخلل البيولوجي، بل يعني كذلك حمايته من السفسطة والتيه والعبث وإنكار المعنى وتحويل الشك إلى عقيدة دائمة.
وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]، فهذه الآية شديدة العمق في بيان أن امتلاك أدوات الإدراك لا يكفي إذا تعطلت وظيفتها الوجودية والأخلاقية.
فالقرآن لا يتحدث هنا عن عجز عضوي في الحواس أو الإدراك، بل عن تعطيل وظيفتها المعرفية والأخلاقية، وهو ما يجعل “حفظ العقل” في التصور الإسلامي أوسع بكثير من مجرد سلامة القدرات الذهنية المجردة.
وهناك آية أخرى دقيقة جدًا في هذا الباب يقول فيها سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]، وهنا يظهر الربط الواضح بين المعرفة والانحراف الإرادي عن هذه المعرفة.
لذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في دعاءه: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» رواه مسلم، وفي هذا الدعاء يقرر فيه الرسول ضمنيًا أن المعرفة قد تتحول إلى أداة تيه وانحراف إذا انفصلت عن الهداية والمعنى، كما يبين في الوقت نفسه البعد المقاصدي للعقل والمعرفة..
إن الجمع الذي قام به الريسوني بين الإلحاد والسفسطة والعبثية والتملق السياسي ليس جمعًا اعتباطيًا كما ادعى العثماني، بل يجمعها خيط فكري ونفسي واحد، وهو تعطيل البوصلة الأخلاقية والمعيارية للعقل. فهذه الاتجاهات – رغم اختلافها – تشترك جميعًا في شيء أساسي وهو الهروب من مقتضيات الحقيقة حين تصبح مكلفة أو مزعجة أو مهددة للمصلحة أو الهوية أو اللذة أو السلطة ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: 23].. ولهذا كان من الطبيعي أن ينتقل الريسوني من الحديث عن الملحد الذي يهرب من التكاليف الوجودية، إلى الحديث عن المنافق السياسي الذي يهرب من مقتضيات العدل والكرامة والحرية عبر عبادة الحاكم وتبرير الاستبداد، يقول الله سبحانه ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرًا دقيقًا حين قال لعدي بن حاتم إنهم: «أحلوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتبعوهم» رواه الترمذي.
وفي هذه الأدلة الشرعية يظهر الربط واضحا جليا بين تعطيل العقل أمام السلطة الدينية، وتعطيله أمام السلطة السياسية من جهة، وبين تحويل الطاعة إلى عبودية فكرية وأخلاقية.. وجاء في الحديث الشريف «لا يكن أحدكم إمَّعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن ظلموا ظلمت، ولكن وطنوا أنفسكم…» رواه الترمذي.. لأن “الإمّعة” في جوهره نموذج لإنسان فقد لاستقلاله العقلي والأخلاقي.
بل إن هذا الجزء الأخير من المقال هو أخطر ما فيه وأعمقه، وربما لهذا السبب لم يتوقف الرد عنده كثيرًا، لأن المقال في جوهره لم يكن موجها فقط إلى الملحدين أو العبثيين، بل كان موجها أيضا إلى فئة من “المتدينين” وعلماء الشريعة الذين يعطلون عقولهم وأخلاقهم أمام السلطة والمصلحة.. وهنا تظهر الخلفية المقاصدية والسياسية الواضحة في تفكير الريسوني، باعتباره ينتقد كل أشكال تعطيل العقل، سواء جاءت باسم الحرية المطلقة أو باسم الطاعة المطلقة.
أما محاولة العثماني تصوير المقال وكأنه دعوة إلى إلغاء الحوار مع المخالف أو احتقار الإنسان المختلف، فهي قراءة متعسفة، فالريسوني لم يدعُ إلى قمع أحد، ولم يكفّر أحدًا بعينه، ولم يمنع النقاش الفلسفي، بل مارس حقه الطبيعي والفكري في نقد اتجاهات يعتبرها منحرفة عن الفطرة والعقل السليم. ومن الغريب أن يصبح من حق الفلاسفة الوجوديين والعدميين والسوفسطائيين نقد الدين والسخرية من اليقين والإيمان، بينما يُمنع المفكر الإسلامي من نقد الإلحاد أو العبثية بدعوى “احترام التعقيد الإنساني”.
والأغرب من ذلك أن الرد نفسه وقع فيما كان يتهم به الريسوني، أي في نوع من التبسيط والاختزال.. فهو حين تحدث عن الإلحاد، قدم صورة رومانسية للمُلحد القلق الباحث عن الحقيقة، المتألم من أزمة المعنى، وكأن تاريخ الإلحاد كله مجرد رحلة فلسفية نبيلة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.. ففي الإلحاد تيارات فلسفية “عميقة” فعلًا لو سلمنا بذلك تجاوزا، لكن فيه أيضًا نزعات استهلاكية وعدمية وتمردية وسلطوية وعنصرية، بل إن بعض أكبر الكوارث الإنسانية الحديثة خرجت من رحم رؤى مادية وعدمية ألغت المقدس والمعنى والأخلاق المتجاوزة.
وإذا سلمنا أن كل ملحد لا يعني بالضرورة أنه عدمي أو سلطوي، فالتاريخ الحديث يكشف لنا أيضا عن بعض الرؤى المادية والعدمية حين انفصلت عن أي مرجعية أخلاقية متجاوزة، وساهمت في إنتاج أشكال خطيرة من الاستبداد والعنصرية والعبث الوجودي، ولا أدل على ذلك شخصيات تاريخية مثل جوزيف ستالين الذي يمثل نموذج المادية السلطوية التي حولت الإنسان إلى مجرد أداة داخل آلة الدولة، وأنتجت القمع والمجاعات والتطهير الجماعي باسم الرؤية المادية التاريخية.. وفلاديمير لينين الذي تبنى بعض تطبيقات الماركسية الثورية التي نزعت القداسة عن الإنسان لصالح “حتمية التاريخ”.. وماو تسي تونغ الذي قادت رؤيته المادية الثورية إلى كوارث إنسانية ومجاعات جماعية وتحطيم البنية الروحية والثقافية للمجتمع… إلى جانب العديد من الفلاسفة المعاصرين الذين تبنوا نزعات إلحادية تربط التحرر بإسقاط المرجعيات الدينية والأخلاقية التقليدية.
وقد عرفت الساحة العربية الحديثة بدورها بعض النزعات المتأثرة بالعدمية أو التفكيك الجذري للمرجعيات، كما يظهر في بعض كتابات عبد الله القصيمي أو أدونيس أو سلامة موسى أو بعض الاتجاهات الماركسية والقومية المتطرفة، حيث تحوّل نقد التراث أحيانًا من مساءلة فكرية مشروعة إلى تفكيك شامل للمعنى والمقدس والمرجعية الأخلاقية.
كما أن استدعاء أسماء مثل إيمانويل كانط ولودفيغ فيتغنشتاين لم يكن في الحقيقة حجة فلسفية بقدر ما كان محاولة لإضفاء مهابة أكاديمية على النص، لأن القول بحدود العقل في إدراك الميتافيزيقا لا يعني أن جميع التصورات متساوية، ولا يعني أن الإيمان بالله مجرد احتمال نفسي أو ثقافي لا أساس عقلاني له.. بل إن تاريخ الفلسفة نفسه مليء بمحاولات عقلية كبرى للاستدلال على وجود الله، من أرسطو إلى ديكارت وغيرهما.
ثم إن العثماني وقع في مفارقة عجيبة حين اتهم الريسوني بأنه يختزل الظواهر الفكرية المعقدة، بينما هو نفسه اختزل التدين والإيمان في مجرد “تجربة اجتماعية وثقافية” متأثرة بالتربية والمحيط.. فإذا كان صحيحا أن البيئة تؤثر في تشكل المعتقدات، فإن هذا لا يلغي البعد العقلي والفطري والاختياري في الإيمان، وإلا فما معنى إرسال الرسل أصلًا؟ وما معنى دعوة القرآن إلى التفكر والنظر والاستدلال؟ ولو كان الدين مجرد ميراث ثقافي لما وُجد الأنبياء أصلًا، ولما غيّر الناس عقائدهم عبر التاريخ.
والقرآن نفسه رفض اختزال الإنسان في مجرد نتاج ثقافي أو وراثي، ولذلك انتقد التقليد الأعمى للموروث الثقافي أو الديني إذا كان معارضا للفطرة والعقل والمنطق وذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، فجاء الرد الإلهي سريعا ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]، لأن الإنسان في التصور الإسلامي ليس أسير بيئته بالكامل، بل هو كائن يمتلك قابلية النظر والتفكر والمراجعة والاختيار..
إن الأزمة الحقيقية في هذا النوع من الخطاب ليست في الدفاع عن الحوار أو التعقيد، فهذه أمور مطلوبة، وإنما في التأثر العميق بالنسبية الفكرية الحديثة التي أصبحت تخشى إصدار أي حكم معرفي أو أخلاقي واضح، حتى ولو تعلق الأمر بالعدمية أو العبثية أو السفسطة.. وكأن المطلوب من الخطاب الإسلامي المعاصر أن يتحول من خطاب هداية ونقد وتقويم إلى مجرد خطاب تفهم نفسي للمخالفين.
والحال أن الإسلام لم يكن يومًا ضد الأسئلة، لكنه كذلك لم يكن محايدًا تجاه الأجوبة.. وقد ناقش القرآن المشركين والدهريين والمنافقين وأهل الكتاب، لكنه لم يساو بين الحق والباطل باسم “التعقيد الإنساني” بل كان يؤكد باستمرار وما يزال أن التمييز بين الهداية والضلال ضرورة أخلاقية ومعرفية، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۝ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، ويجمع في كل نصوصه بين الرحمة والحسم، وبين الحوار والنقد، وبين فهم النفس البشرية وفضح آليات المكابرة والهوى والاستكبار.. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۝ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 50]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: 100].. لأن الفكرة هنا ليست الحكم على الأشخاص، بل رفض المساواة المعرفية والأخلاقية بين التصورات المتناقضة.
ولذلك فإن المشكلة ليست في أن الريسوني استعمل تعبير “الغباء الاصطناعي”، بل في أن البعض (من داخل الحقل الإسلامي) لم يعد يحتمل أصلًا أي نقد جذري للفلسفات العدمية أو الإلحادية أو السلطوية، إلا إذا قُدِّم بلغة باردة ومحايدة تخفي موقفها الحقيقي، بينما الفكر الحي هو الفكر الذي يمتلك الشجاعة الأخلاقية والمعرفية في تسمية الأشياء بأسمائها، دون أن يفقد في الوقت نفسه عدله واتزانه وهويته ومرجعيته.

وفي النهاية، فإن الدفاع الحقيقي عن العقل لا يكون بتذويب الفوارق بين اليقين والتيه، ولا بين الفطرة والسفسطة، ولا بين الحرية والانفلات، ولا بين الحق والباطل، ولا بين الإيمان والكفر .. بل يكون بإعادة بناء عقل قادر على الفهم والنقد والتمييز معًا، وهذا بالضبط ما حاول الدكتور العلامة المقاصدي أحمد الريسوني أن يثيره في مقاله، بينما انشغل الرد بمحاكمة اللغة أكثر من مناقشة الجوهر، والغريب أن صاحبه تناول ذلك بخلفية فكرية غربية غريبة عن مبادئ الإسلام وأصوله الفكرية والمعرفية رغم انتماءه إليها نظريا وإسميا

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *