رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
في زمن تتشابك فيه المصالح الإقليمية وتتصاعد فيه حدة الاستقطاب السياسي والإعلامي، لم يعد مستغربا أن تظهر مبادرات تحمل عناوين براقة من قبيل “التضامن” و”الدفاع عن السيادة”، لكنها في العمق تطرح أكثر من سؤال حول خلفياتها وتوقيتها والجهات التي تقف وراءها.
مؤخرا، أثارت دعوة إعلامية للتوقيع على بيان تضامني مع إحدى الدول الخليجية موجة من الجدل، ليس بسبب مضمونها فقط، بل بسبب طبيعة الأسماء المرتبطة بها، وتعدد الانتماءات الجغرافية والسياسية للمشاركين فيها، فضلا عن السياق الإقليمي المتوتر الذي ظهرت فيه. فهل نحن أمام مبادرة عفوية تعكس موقفا مبدئيا؟ أم أن الأمر يتعلق بحلقة جديدة في سلسلة توظيف الخطاب الإعلامي لخدمة أجندات تتجاوز الشعارات المعلنة؟
ما يلفت الانتباه في مثل هذه المبادرات هو الانتقائية في القضايا. إذ نلاحظ تعبئة مكثفة حين يتعلق الأمر بملفات خارجية ذات أبعاد جيوسياسية معقدة، في مقابل غياب شبه تام عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن أو المصالح الوطنية بشكل مباشر. هذا التباين يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة، وهي هل معيار “التضامن” أصبح خاضعا لحسابات النفوذ والتمويل؟ أم أن هناك إعادة ترتيب لأولويات الفاعلين في المجال الإعلامي والفكري؟
ومن جهة أخرى، فإن إشراك أسماء أكاديمية أو بحثية في مثل هذه المبادرات يضفي عليها طابعا من الجدية والمصداقية، لكنه في الوقت ذاته يضع هذه النخب أمام اختبار أخلاقي ومعرفي، فهل دور الأكاديمي هو الانخراط في بيانات ذات طابع سياسي مباشر؟ أم الحفاظ على مسافة نقدية تتيح له تحليل الظواهر بدل الاصطفاف داخلها؟
لا يمكن فصل هذه الظواهر عن السياق الأوسع، حيث أصبحت المنصات الرقمية فضاءا مفتوحا لحروب ناعمة تدار بالكلمات والصور والبيانات. في هذا الفضاء، تتقاطع الرسائل الإعلامية مع الحسابات السياسية، وتصبح المبادرات “المدنية” أحيانا أدوات غير مباشرة في صراع النفوذ بين الدول.
غير أن أخطر ما في الأمر ليس وجود هذه المبادرات في حد ذاته، بل الطريقة التي يتم بها تلقيها والتفاعل معها. فبين الانسياق خلف العاطفة أو الشك المطلق في كل شيء، يضيع الموقف المتزن القائم على التحقق والتحليل. وهنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي القادر على التمييز بين المبادرات الصادقة وتلك التي تحمل في طياتها أهدافا غير معلنة.
بعد كل ذلك يبقى السؤال المحوري هو هل نحن أمام تعبير حر عن مواقف سياسية مشروعة؟ أم أمام إعادة تشكيل للرأي العام عبر أدوات جديدة أكثر نعومة وأشد تأثيرا؟ والجواب لا يكمن في النوايا المعلنة، بل في قراءة ما بين السطور، وربط الخطاب بسياقه، وتتبع منطق المصالح الذي غالبا ما يختبئ خلف أكثر الشعارات بريقا.
شارك المقال























Leave a Reply