من يحمي الضحايا من تهديدات الواقع وصمت الإجراءات قبل فوات الأوان؟

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي


في خضم فيديو لمراسل جريدة “رصد المغرب”، والذي أخد من عين المكان بمنطقة العجاجرة، إقليم مولاي يعقوب، يوثق لمعاناة أسرة مهددة بالقتل بسبب نزاع حول الإرث، تتجدد أسئلة جوهرية حول فعالية تدخل الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، وحول مدى التزامها بروح النصوص القانونية قبل حرفيتها. فالقضية، كما عرضتها السيدة المتضررة، لا تقف عند حدود نزاع مدني بسيط، بل تتجاوز ذلك إلى تهديدات صريحة قد تفضي إلى العنف أو حتى إزهاق الأرواح، وهو ما يضع المسؤولية مباشرة على عاتق الشرطة القضائية بمختلف تلاوينها.

إن التساؤل الذي يفرض نفسه بإلحاح هو هل يحق للشرطة القضائية، سواء تعلق الأمر بالأمن الوطني أو الدرك الملكي، التعامل مع مثل هذه النزاعات بمنطق الحياد السلبي، في حين أن مؤشرات الخطر قائمة؟ فمن الناحية القانونية، لا يقتصر دور هذه الأجهزة على تلقي الشكايات وتحرير المحاضر، بل يمتد إلى اتخاذ التدابير الاستباقية لحماية الأفراد وضمان سلامتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بتهديدات جدية ومباشرة.

IMG-20260325-WA0056-300x169 من يحمي الضحايا من تهديدات الواقع وصمت الإجراءات قبل فوات الأوان؟

وفي هذا السياق، تبرز أهمية دورية رئاسة النيابة العامة المتعلقة بتدبير الشكايات، والتي شددت في أكثر من مناسبة على ضرورة التفاعل الجدي والسريع مع الشكايات، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الشكلية. لأن الدوريات ليست مجرد توجيهات إدارية، بل تعبير عن إرادة مؤسساتية لضمان حسن سير العدالة وحماية الحقوق. غير أن الإشكال الحقيقي، كما يكشفه الواقع، يكمن في فجوة التنفيذ.

فالعطب، كما يبدو، لا يوجد في النص القانوني، الذي يظل في مجمله متقدما من حيث الحماية، بل في من أوكلت إليهم مهمة تنزيله على أرض الواقع. إذ أن بعض الممارسات الميدانية تعكس نوعا من التراخي أو سوء التقدير، خاصة في مرحلة الاستماع وتحرير المحاضر، وهي مرحلة حاسمة قد تحدد مسار الملف برمته.

IMG-20260325-WA0057-300x169 من يحمي الضحايا من تهديدات الواقع وصمت الإجراءات قبل فوات الأوان؟

إن التقصير في التعامل مع شكايات تنذر بوقوع جرائم خطيرة لا يمكن تبريره لاحقا بعبارة “قضاء وقدر”، لأن المسؤولية هنا بشرية ومؤسساتية قبل أن تكون قدرا محتوما. فحين تتوفر معطيات واضحة حول تهديدات جدية، يصبح التدخل الفوري والفعال واجبا قانونيا وأخلاقيا، وأي إخلال به قد يرقى إلى مستوى المسؤولية التأديبية أو حتى الجنائية.

إن تدبير مثل هذه الملفات يقتضي مقاربة شمولية، تبدأ بحسن الاستماع للضحايا، مرورا بتقييم درجة الخطورة، وصولا إلى اتخاذ تدابير وقائية كإشعار النيابة العامة بشكل عاجل، أو توفير الحماية اللازمة عند الاقتضاء. كما يتطلب الأمر تكوينا مستمرا لعناصر الشرطة القضائية في مجال تدبير النزاعات ذات الطابع الأسري والاجتماعي، والتي غالبا ما تكون معقدة وحساسة.

فلا يمكن الحديث عن دولة القانون دون ربط المسؤولية بالمحاسبة، ودون ضمان أن كل تقصير في حماية المواطنين لن يمر دون مساءلة. فالأمن ليس مجرد حضور ميداني، بل هو شعور بالطمأنينة يبنى على الثقة في أن القانون سيطبق حين تدعو الحاجة، وبالصرامة المطلوبة. لأن مثل هذه القضايا يجب أن تكون جرس إنذار يدفع نحو مراجعة الممارسات، وتعزيز آليات المراقبة، حتى لا تتحول الشكايات إلى مجرد وثائق تحفظ في الرفوف، بينما تتفاقم الأوضاع على أرض الواقع إلى ما لا تحمد عقباه.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *