آخر الأخبار

موقع المسجد ودوره المغيب فيما يدور من معارك معرفية وفكرية وسياسية…

موقع المسجد ودوره المغيب فيما يدور من معارك معرفية وفكرية وسياسية…

 رصد المغرب/بوقنطار محمد باحث في الفكر الاسلامي

 

في خضم المعارك الفكرية التي تختلج بصراخها تارة وبضجيجها أخرى ساحات الشغب المتداعي على شريعة الإسلام ثمة سؤال يفرض نفسه، وهو السؤال الذي صارت الحاجة إلى طرحه ملحة في زمن الغربة الثانية للإسلام وأهله مفاده على المنطوق:هل ما زال المسجد يصنع الإنسان؟
لم يكن المسجد في الوعي الإسلامي الأول جدراناً تُفتح وتُغلق على أوقات الصلوات، بل لم يكن جدارا وسجادةً ومحراباً يعزل المريد عن محيطه ويأخذه بعيدا عن هموم أمته في تدليس مدخون المقاصد، بل كان مصنعا للإنسان المسلم ومشتلا للنموذج الصالح والقدوة العملية التي تدين لله بالاستقامة أينما حلّت وحيثما ارتحلت، ففي سالف عصور الأجداد نجد أن من هذا الجامع خرج العابد، وتخرّج منه العالم، وتأهب المجاهد، واعتدل القاضي، وتخلق المربي، فكان الداخل إليه لا يخرج منه على الغالب إلا بنَفَسٍ جديد، وبوصلة أوضح تهديه إلى سواء السبيل، وضميرٍ أكثر يقظة ونضج وحذر، في غير سذاجة ولا غباوة ولا صلافة
لقد كان المسجد على بساطة عمرانه وشح موارده فضاءً يشكل وجدان الإنسان قبل أن يعلّمه، ويهذّب السلوك، وينفث في الروع الأخلاق المتسامية قبل أن يلقّن الأحكام وقبل أن يخوض بالمريد في أضراب العلم ودروب المعرفة وأبواب الحكمة.
نعم لقد كان المسجد مدرسةً للقلب السليم، ومنتدى للعقل المجتهد، ومحراباً لتربية السواعد العاملة على إتقان ما تفعله والإخلاص في ما تنتجه والصدق فيما تنصح به.
ولذلك لم يكن ولن يكون هذا السؤال اليوم قد خرج مخرج الترف الفكري الذي يبغي صاحبه ويروم الجدال البزنطي، أو ليخالف به فيعرف ويُستظرف…
هل ما زال المسجد يؤدي هذا الدور؟ أم أن منطق السياسي الإقليمي والمحلي حصره في وظيفة شعائرية ضيّقة باردة الطقوس منزوعة الدسم؟
إننا في معرض الإجابة عن هذين السؤالين المفصلين نجد أنفسنا ليس من باب الاستطراد، وإنّما من باب العطف على أصل السياق، مضطرين إلى أن نحيل في مقام الاستهلال على التجربة النبوية وحقيقة تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع مؤسسة المسجد أو كيان الجامع، حيث شهدت التجربة النبوية تميّزا استراتيجيا في تعامل محمد عليه الصلاة والسلام مع المسجد النبوي، فقد بدا من أول وهلة التأسيس وقد حلّ عليه الصلاة والسلام وافدا بمشروع دولة الإسلام وببغية خلق توليفة تؤلف بين قلوب معشر المهاجرين والأنصار، وداحضا كل نعرة موروثة تريد أن تعبر إلى قلعة الإسلام الحصينة ومشروع دولته الفتية، ولذلك فوظيفة المسجد الجامع لم تكن مقصورة على الحصر كمكان لتأدية الصلوات ثم إيصاد أبوابه، فالانصراف إلى حين إعلام رادف بدخول وقت صلاة تالية…
إن الحقيقة التي نقلها لنا أثير التاريخ عن دور المسجد مفادها أنه كان مقرّاً للتعليم والتكوين، ومدرسة للإصلاح الاجتماعي، وفضاءً لاحتواء الضعيف واحتضان الغريب، وبيئة جامعة لكل مقومات صناعة الصحابي المتوازن، على مستوى التعبد، والتخلق بأخلاق الإسلام الفاضلة، والقدرة على تحمّل مسؤولية، وأداء الأمانات، وقد تخرج من بيت الله على وفق هذا المنهج والدور الرائد للمسجد رجال يعرفون الله، ويعرفون الناس، ويعرفون واجبهم تجاه الحياة، مع شديد معاينتهم وحملهم لهمِّ الآخرة والوقوف بين يدي الله جلّ جلاله.
ولننظر اليوم إلى واقع كثير من مساجدنا اليوم، بل إلى كلّها، فستجد أن كيانه المعنوي والعمراني ما زال يحتفظ بقدسيته، بل ما فتئت جماهير المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تجد في حضنه الدافئ السكينة والهداية والطمأنينة، ولكنه على مستوى الدور نجد مهمته قد اختزلت في تجليات نوردها على الإجمال ممثلة في توقيع صلاة سريعة يغلق بابه بعد أدائها بدقائق معدودات، أو خطبة قد انفكت حروف محبورها الموحد الرسمي عن واقع الناس وهموم الأمة ومظلومية المسلمين أين أناخوا رحال إقامتهم، حتى صار الحضور بلا جدوى ولا أثر يمتد ويتجاوز إلى خارج الأبواب، نعم لقد انقطع الحبل بين المسجد كمؤسسة والحياة اليومية، فأين خطابه من هموم الشباب، وتصدع كيان الأسرة، ناهيك عن شطّه ونأيه عن الإجابة على أسئلة الهوية وتحديات عصر المظلومية، حتى بات هذا الركن الركين من مؤسسات الإسلام الفاعلة على المستوى الدعوي، فاقدا لقدرته على صناعة الإنسان المعاصر حتى وإن بدا كما أسلفنا ذكره محافظا على شكله التعبدي من حيث الأداء الشعائري، سيما إذا علمنا أن انشغالات هذا الإنسان المعاصر تجاوزت في فضول تطلعاتها السؤال عن حكم فقهي في مسألة ما على أهميته وضرورته في دائرة التديّن، فنهمها المعرفي وعطشها السلوكي أصبح في حاجة ماسة إلى التوجيه والبحث عن توازنات في صراعها اليومي الذي فرضته عليها وافدات استغرابية ذات سطوة ونفوذ عابر للقارات، كما باتت تحتاج إلى بوصلة أخلاقية لها ولأبنائها ولأسرها المهدّدة من قعر قعر البيت في ظل عالم مضطرب لا يؤمن أسياده كونا إلا بمنطق المدافعة والمواجهة الفكرية والمعرفية والمادية التي تحفظ البيضة، وتُبقي على ماء وجه الفرد والمجتمع بل والدولة معهم جميعا وأشتاتا…
ولذلك فإن أي انفصال للدور الدعوي للمسجد عن واقع الناس، وعدم سريان خطابه ذي الطابع الملزم في مناهج المدرسة المغربية، وبين حشود الناس في السوق، والمرتفقين في المحكمة والمستشفى وباقي مؤسسات الدولة ذات الطابع الاجتماعي أو السيادي… وتبنيه لخطاب نمطي بارد محفوظ على تكرار سيؤدي بل أدى حتما إلى ضعف أثره وانعدام فاعليته، تلك الفاعلية التي تتبنى رؤية تربوية جادة وواضحة، وتستوعب جهازا دعويا يضم أئمة ودعاة ووعاظ وخطباء يدركون التحولات التي يشهدها المجتمع، ويمتلكون رؤية إصلاحية كما تمتد سطوتها الإرشادية أفقيا، تترقى سلطتها التوجيهية عموديا منطلقة من كلمة سيد الخلق عندما قرر أن الدين النصيحة، فقال أصحابه مستفسرين عن وجهة الرمي: لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم.
وثمة أسئلة ملحة تبحث لها عن أجوبة محققة لا تعتعات معلقة، أولها استفاهمنا عن حقيقة:
هل فعلا ما زال المسجد اليوم يؤدي هذا الدور الذي من أجله قامت قواعده العمرانية، أم أن وظيفته انكمشت حتى صارت محصورة في أداء شعائر يخوض المشرفون عليها معارك طاحنة في فرض التسليمة من التسليمتين والقبض من السدل وشكليات الهندام ومآرب أخرى، بلا أثر عميق في بناء الإنسان؟
وينبني على هذا السؤال لازمة استفهام دقيقة مفادها:
هل فقد المسجد قدرته الذاتية على مواجهة المتغيرات ومسايرة التحوّلات؟
أم أن ثمة يدا ما فتئت تعمل من الداخل والخارج على تعطيل هذا الدور وفرملة تلك الحركة التي من أجلها كان المسجد ووجد كمؤسسة تتجمع فيها الجهود لتنطلق بأنفاسها في مناكب الأرض تملؤها عدلا وفضلا وفضيلة؟
ومن ثم هل نريد مساجد مكتملة الصفوف في مجتمعات خاوية على عروشها…أم مجتمعات مكتملة القيم تتبوأ فيها المساجد منزلة الريادة وتدير معارك القيادة؟
ولعل السؤال الحقيقي ها هنا ليس هو: هل ما زال المسجد يصنع الإنسان؟
بل: هل ما زالت الجهة الوصية تريد من المسجد أن يصنع الإنسان، أم تكتفي منه أن يُقيم الشعيرة ثم ليصمت صمت من في القبور؟
وفي سياق الإجابة على هذه الإشكالات نرى كمسلمين ضرورة العودة وتكرار الانطلاق صوب الحل والمقاربة العلاجية من صميم التجربة النبوية في هذا الخصوص، حيث أن المتأمل في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام يدرك من أول وهلة ذلك التجانس المقصود بين العبادة والحياة في شتى مناحيها، ولذلك فقد كان المسجد مدرسة للتزكية، ومنبرا للتوجيه، وفضاء حرا للحوار المعرفي، ومرجعا لبناء الوعي الجماعي، ومركزا لحل النزاعات الطارئة أو حتى المحتملة، فقد تجاوز دوره الريادي كل الحدود الممكنة ليقتحم عقبة إصلاح السوق وترميم العلاقات الاجتماعية ونظافة الشارع وتنقية المناخ وحفظ الأرواح وتعديل السلوك وتصحيح المسار وإعمار الأرض بطين العمران وصناعة الإنسان، حتى كان مريد الصلوات يدخله ليخرج منه يحمل بين ثنايا الوجدان همّا وعزما ومسؤولية يصب منسوبها الطاهر في رصيد مشروع التمكين لأمة الوسط.
وإننا ونحن نسوق هذه المعطوفات في سياق استعراض الدور الريادي والحقيقي للمسجد الجامع، لا نبغي ولا نروم ولا نقصد إنتاج نسخة مثالية متعالية، بل نقصد أول ما نقصد أن يُخرج لنا المسجد إنساناً متوازناً لا ممزقا فكريا، واعياً لا صلفا منفعلا، ومتديّنا في غير قسوة ولا استعلاء، جامعا بين علوم الدين والدنيا، مسلما منفتحا على محيطه في غير هلكة ولا ذوبان شاذ، كما نقر ونقرر في تسليم أن تراجع مردودية المسجد في زماننا ترجع بالأساس إلى أمور نجملها في طغيان خطاب وعظي بارد ركز ويُركز في إفراط على جزئيات، ويهمل مشروع بناء التصور الكلّي للإنسان المسلم فيبحث في مقاصدية عيشه وكيف له أن يوازن أو أن يختلف أو أن يتوب بعد الخطأ، ولعلك تستحضر وضعية شاب تائه لا يجد جوابا لأسئلته المعلقة عن قلقه الوجودي، وعن تحديات العمل والأسرة والهوية… بل لك أن تتصوّر مسجدا هُيِّئت مكوناته لتخاف من هذا النوع من الأسئلة، ولتعيش حالة السهو والخرس بدعوى سد الذرائع، مع علم هذه المكوِّنات المنسحبة والمتولية يوم الزحف أن العقل الشرعي الذي لا يُجيد الإجابة عن الأسئلة المطروحة بحدّة في الساحة المجتمعية، لا يملك أن يطلب من المكلفين تحقيق الإيمان المطلوب بله ذوقه العميق..

إرسال التعليق