عاجل

نحو يسار علماني

رصد المغرب/ عبد الله عنتار ـ دكتور في علم الاجتماع
عضو التنسيقية الوطنية لليسار الجديد المتجدد وعضو المجلس الوطني  

في الندوة التي نظمت يوم الجمعة 26 أبريل 2019 حول ”الحاجة إلى الكتلة التاريخية لمحمد عابد الجابري” قال الزعيم الراحل محمد بن سعيد آيت يدر:
«إن فصل الدين عن الدولة ضرورة من أجل التقدم، فالطابع المدني هو عماد الديمقراطية، فالدين لا يمثله طرف واحد، ولذلك يجب التحذير مما وقع في تجارب الإسلاميين بالعراق الذي يعاني من الصراع الشيعي ـ السني.»
يربط الزعيم الراحل بين العلمانية والتقدم، فلا يمكن تحقيق النهضة الثقافية الشاملة كرافعة ضرورية دون فصل الدين عن الدولة، وهذا ما تؤكد عليه أرضية اليسار الجديد المتجدد في الصفحة 195، إذ ترى أن اليسار الثوري لا يعرف نفسه إلا بالعلم والعلمنة في أفق العلمانية بلا لف ولا دوران، إنه يصارح المجتمع المغربي بهذا الخيار الاستراتيجي، ولا يتوارى خلف التقية بحثا عن مكاسب انتخابية.
إن فصل الدين عن الدولة ضرورة لا غنى عنها من أجل التقدم الفكري والعلمي والأخلاقي والاقتصادي والسياسي الاجتماعي، وهنا يذكر الزعيم الراحل بنسعيد بالصراع السني الشيعي، كما يضيف بأن الدين لا يمثله أحد، بل الدين لله والوطن للجميع، وبالتالي لا يمكن للدولة ولا أي شخص أو جماعة أن تحتكر الدين خدمة لأهداف سياسية، وينبغي على المغاربة أن يكونوا على نفس المسافة من الدولة مهما كان دينهم أو عرقهم أو لونهم أو انتماءهم الطبقي أو السياسي.
ولئن كانت النهضة هي الوثبة في سبيل الإقلاع الحضاري، فهل يمكن تحقيق الانبعاث المأمول بمنأى عن العلمانية؟ وكيف السبيل للخروج من التأخر التاريخي وتحقيق النهضة العلمية؟ يعيش الحزب الاشتراكي الموحد في الوقت الحالي تكلسا فكريا ونظريا ولا يملك الجرأة الكافية في طرح مسألة العلمانية أمام الرأي العام والدفاع عن أهميتها، إنه خارج الوعي المتنامي والتطور الراهن الذي يعرفه المجتمع المغربي، فهذا الحزب لم يحسم في موقفه من التربية الدينية، ومن إسلامية الدولة ومذهبيتها، ومن اختراق الفكر الديني للمنظومة القانونية والاجتماعية.
إضافة إلى ذلك، لا يعرف خطاب الحزب ومكتبه السياسي وضوحا في مسألة الحريات الفردية، بل يعرف غموضا كبيرا، فهل السبب يعزى إلى الجرأة أم إلى تغلغل الفكر الديني في ذهنية من أنيط إليهم قيادة الحزب؟ أم أن الأولوية تعطى إلى الهاجس الانتخابي وفي الوقت ذاته الاستنكاف عن توعية المواطنين ؟ على الحزب أن يكون صريحا مع نفسه ومع الجماهير، وأن يناضل من أجل علمنة الدولة والمجتمع، وتنوير وتثقيف الشعب وتوعيته بأهمية الحريات الفردية، والعمل كذلك على الوقوف ضد كل حضور للدين في الدولة، أو توظيف الدولة لدين أو مذهب معين لتمرير سياسات معينة.
بيد أن واقع الحال يكشف أن الحزب بشكل خاص واليسار بشكل عام تخلص من يساريته وبقىيت العلمانية تمثل له خطا أحمر وعجز عن نقد توظيف الدين في السياسية، ولقد جاء في الصفحة 253 من أرضية اليسار الجديد المتجدد ما يلي:
«كلما طرحنا ضرورة تبني العلمانية بوضوح وشجاعة، بدا أن اليسار في المغرب يتعامل معها وكأنها “الثابت الخامس” من ثوابت الدولة متأثرا بخطوط حمراء وهمية، وبآليات رقابة ذاتية متضخمة.»
تفيد هذه القولة الواردة في أرضية اليسار الجديد المتجدد أن التوجه العام للحزب بقي عقيما وفاقدا للجرأة والوضوح والشجاعة فيما يخص التصريح بالعلمانية والدفاع عنها، وإن كانت هذه الأخيرة أساسا من أسس الفكر اليساري، لقد تم النظر إليها كواحدة من الثوابت التي لا يمكن الخوض فيها، والسبب يعزى إلى تضخم الرقابة الذاتية للأنا الحزبية، أو على الأقل الأنا الجمعية للمكتب السياسي، فكيف يمكن التخلص من هذه التقية ومصارحة الجماهير بالحقيقة؟
إن الحزب الاشتراكي الموحد ليس حزبا دينيا ولا يمثل مذهبا معينا، بل إنه يدافع عن مركزية العقل، ناهيك عن الإنسان كأساس للحداثة والمعاصرة، فلماذا الصمت عن العلمانية؟ وهل تستقيم حياة الإنسان بلا هذا المبدأ ؟ إن العلمانية تعطي الأولوية للإنسان المواطن على الدين وتعتبر أن العقل هو أساس النهضة العلمية، لأن العقل يحرر الإنسان من الجهل والخرافة والتبعية والعبودية والولاء الأعمى للاستبداد والطغيان، ومن المستحيل أن يصل الإنسان إلى درجة المواطنية بدون المعرفة بحقوقه وواجباته، إلا أن بلوغ هذا المستوى يفرض إصلاح منظومة الحزب وتوسيع أفق المعرفة الوضعية والقطيعة مع الفكر الغيبي في أوساط المناضلين لكي ينشروا الفكر العلمي والعلماني في أوساط جماهير الشعب، وتحريرها من الفكر الديني الذي يستعبد الوجدان والضمير، ويجعلها أكثر قبولا للظلم والتسلط.
وفي هذا الصدد، يقتضي تحرير الجماهير حسب أرضية اليسار الجديد المتجدد، كما على الحزب الاشتراكي الموحد أن يساهم في تنمية الفكر النقدي والعلمي وقيم الاختلاف والحرية وحقوق الإنسان في مفهومها الكوني والشامل ويرسخ المساواة بين الجنسين ويوسع حرية التفكير والانتماء، ولا يمكن يتحقق ذلك دون استيفاء الشروط التالية:
ـ الدفاع عن العلمانية و عدم الإيمان بأية خطوط حمراء والتنصيص على الدين كقضية شخصية لا قضية دولة.
ـ ضرورة تبني العلم الوضعي الذي يقوم على التجربة والتجريب، والقطيعة مع الاجترار والعنعنة والتقليد.
ـ تكريس ثقافة الاختلاف الديني والجنسي…
ـ تبني العلمانية كفكر وممارسة
نستشف من خلال ما سبق أن اليسار لا ينفصل عن العلمانية، ولذلك لابد من تبني العلمانية كخيار استراتيجي، للحيلولة دون استخدام الدين لأغراض استبدادية، لأن الدين مسألة شخصية لا مسألة عامة، أي أنه لابد من وضع حدود واضحة بين الفضاء العام والفضاء الخاص على نحو يضمن الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *