في ليلة وصفت بالاستثنائية في الأوساط المالية والبحرية في لندن، شهد النظام العالمي للتأمين البحري تطورا خطيرا تمثل في إعلان عدد من أندية الحماية والتعويض الدولية (P&I Clubs) سحب التغطية التأمينية ضد مخاطر الحرب في منطقة الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر والمياه الإقليمية الإيرانية. كما أن القرار صدر بشكل متزامن عن سبعة من أصل اثني عشر ناديا ضمن مجموعة الحماية والتعويض الدولية التي تؤمن ما يقارب 90% من حركة الشحن البحري العالمية. ومن بين الأندية التي أعلنت الإلغاء الفوري للتغطية: NorthStandard، Skuld، Steamship Mutual، The American Club، The Swedish Club، إضافة إلى London P&I Club.
وبررت هذه المؤسسات قرارها بما وصفته بـ«انكشاف غير محدود على مخاطر كارثية» في منطقة باتت تعد ساحة قتال نشطة، وهو ما يجعلها غير قادرة على تلبية متطلبات رأس المال المرتبطة بمعايير المخاطر التي تصل إلى 99.5% من القيمة المعرضة للخطر، حيث أن هذه الأندية تعمل كنظام تعاوني تتحمل فيه شركات الشحن الأعضاء الخسائر مباشرة، فقد وجدت نفسها أمام خيارين، الأول تحمل خسائر قد تؤدي إلى الإفلاس، والثاني إيقاف التغطية التأمينية فورا. وقد اختارت الخيار الثاني. لكن القرار انعكس سريعا على حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، والذي يمر عبره يومياً أكثر من 20 مليون برميل من النفط إضافة إلى نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، مع معدل عبور يقارب 138 سفينة يوميا.
وبحسب ما تم تداوله في الأوساط البحرية، فقد تراجعت حركة ناقلات النفط في المضيق بشكل حاد، فيما أصبحت مئات السفن عالقة في الخليج وعلى جانبي الممر البحري. وتشير التقديرات إلى أن نحو 300 ناقلة نفط توقفت عن العمل، بينما تنتظر قرابة 2000 سفينة تجارية المرور، بقيمة هياكل تتجاوز 25 مليار دولار. كما انعكست الأزمة مباشرة على سوق الشحن العالمي، حيث سجلت أسعار استئجار ناقلات النفط العملاقة قفزة قياسية في مؤشرات Baltic Exchange، لتصل إلى نحو 481 ألف دولار يوميا للناقلة الواحدة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، التي تقع في قلب معادلة الطاقة العالمية بحكم موقعها الاستراتيجي المطل على مضيق هرمز، حيث يرى مراقبون أن طهران تسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة مفادها أن استمرار القيود على صادراتها النفطية قد يقابله تعريض تدفق الطاقة من المنطقة بأكملها للخطر. ومنذ تلك اللحظة بدأت أسعار الطاقة في التحليق والارتفاع الحاد عبر الأسواق الدولية مما دفع حكومات كبرى إلى إعلان تآكل احتياطياتها الاستراتيجية، حيث في إستراليا مثلا حذر المسؤولون من أن بلادهم لا تملك سوى احتياط وقوت يكفي لأسبوعين فقط، أما احتياط أمريكا العظمى لا يتجاوز ثلاثة أسابيع كحد أقصى، وهنا تظهر هزيمة ترامب النفسية وفضائحه،
اليوم ترامب نشر تغريدة على “تروث سوشال” يتوسل فيها للصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا بإرسال سفنها لفتح مضيق هرمزة، فهل يمكن تصور ما الذي يجري؟ أمريكا دولة عضمى تبلغ ميزانيتها العسكرية سنوينة ثريليون دولار، وتتباهى بأقوى جيش في العالم، ورئيسها يوميا يصرح بأنه انتصر على إيران، واليوم في تغريدته قال أنه دمر قدرات إيران الجوية والبحرية بنسبة 100%، لكنه بنفس الوقت غير قادر حتى على إدخال فرقاطة حربية واحدة للخليج، فضلا عن إخراج حاملات النفط منه، إذن ترامب مهزوم نفسيا ويكذب بواقعه من جهة أخرى، وفي كواليس الدبلوماسية المذعورة وزير الخارجية الأمريكي روبيو حاول الاتصال بوزير الخارجية الإيرانية عبر الوسيط فلم يجد ردا، فدفعوا بوزير الخارجية الفرنسي للاتصال بعباس عراقجي لنقل رسالتين، الأولى هي ما هي شروط إيران لإيقاف الحرب؟ والثانية هي أيها الإيرانيون اطلبوا من حزب الله أن يوقف قصف المستوطنات الاسرائيلية في الشمال الفلسطيني.
فكان الجواب الإيراني حاسما وصاعقا، فجاء فيه هو أن شروطنا لإيقاف الحرب سنعلنها بعد تغيير الواقع في الخليج والمنطقة، و أما حزب الله أيها الفرنسيون فبإمكان سفيركم في بيروت التواصل معهم مباشرة، النتيجة الحتمية والرسالة التي وجهتها إيران لأمريكا أولا وأوروبا ثانيا ولدول المنطقة ثالثا، و هي لم تعد العقوبات سلاحا ذات اتجاه واحد فإما أن ترفع القيود عن صادرات الطاقة الإيرانية ويعاد دمج طهران بالأسواق العالمية، أو ستوضع البنى التحتية لتصدير الطاقة في المنطقة بأكملها تحت مقصلة الخطر في مضيق هرمز، لذلك السؤال اليوم ليس هل ستخضع إيران؟ بل هو هل نظام الطاقة العالمي مستعد لحرب طويلة الأمد مع استمرار غلق مضيق هرمز؟
فإيران لن توقف الحرب الآن، لأنها إذا وافقت على وقف الحرب الآن ورغم كل الإنجازات التي حققتها ستكون خاسرة، حيث ستعود تحت الحصار من جديد وكأن شيئا لم يكن، و أما إذا استمرت في الحرب فهي منتصرة وفقا للهدف التكتيكي الذي تسعى لتحقيقه وهو كسر الحصار للأبد وفرض تعويضات عن هذه الحرب، وإن لم تدفع أمريكا فإن إيران ستدمر الأصول والمصالح التابعة لها كما قال قائد الثورة مجتبى خامنائي في رسالته الأولى، وأما الهدف الاستراتيجي هو بوضوح إما السيادة الكاملة أو الدمج الكامل في السوق العالمية بلا قيد أو شرط أو قلب قواعد اللعبة وحرقها بالكامل.
لذلك فإن من يتحكم بتوقيت نهاية الحرب هي طهران فقط، وهنا نسأل إذا كانت العقوبات التي صممت لخنق طهران قد تحولت اليوم إلى مقصلة حادة تهدد نظام المال العالمي بأكمله، فهل نحن أمام هزيمة استراتيجية للهيمنة الأمريكية الغربية بأدواتها هي؟ أم هو المخاض الأخير لولادة شرق أوسط مقاوم جديد؟
إرسال التعليق