رصدالمغرب / عبدالصمد الشرادي
يبدو شرق آسيا اليوم وكأنه يدخل واحدا من أكثر فصول تاريخه توترا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث طبول الحرب التي كانت تسمع من بعيد، بات صداها الآن واضحا فوق تايوان وحولها، مع تحركات عسكرية لا يمكن وصفها بمجرد استعراض قوة.
في الأيام الأخيرة، نشرت اليابان منصات صواريخ أرض–جو متوسطة المدى في جزيرة يوناغوني، الأقرب إلى تايوان، في خطوة اعتبرتها بكين تجاوزا لخط أحمر، وردت عليها بتصعيد كلامي وتحركات عسكرية موازية، شملت اندفاع حاملة الطائرات الصينية فوجيان إلى البحر بسرعة غير معهودة إلا في سياق استعدادات عملياتية.
غير أن المشهد في الجو يبدو أكثر توترا، حيث مقاتلات صينية من طراز J-20 تعبر خطوطا حساسة، فتتدخل المقاتلات اليابانية F-15J وتشتبك معها في سباقات اعتراض متوترة. وفي البحر، تفتح المدمرات اليابانية من فئة مايا أنظمة الآيجيس بالكامل، بينما تنساب الغواصات الصينية تحت السطح في صمت ثقيل. هذه ليست “بروفة دبلوماسية”، بل بروفة حرب كاملة الأركان، لأن جذور الأزمة تمتد عبرالتاريخ الذي لم يدفن.
التصعيد الحالي ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات تاريخية وثقافية وسياسية. فاليابان تعيش تحوّلا داخليا يقوده جناح قومي صاعد يرى ضرورة التحرر من قيود دستور ما بعد الحرب. وتجسد رئيسة الوزراء الجديدة – المنتمية لهذا التيار – هذا التحول حين قالت بوضوح إن اليابان قد تتدخل عسكريا إذا تعرضت تايوان لهجوم.
بالنسبة لبكين، هذه ليست مجرد تصريحات. تايوان جزء من «المشروع الوطني» الصيني، وخط أحمر استراتيجي. دخول طوكيو على خط الأزمة يعني إدخال لاعب تاريخي حساس إلى نزاع ترى الصين أنه شأن داخلي، كل ذلك ذاخل ميزان القوة، الذي تظهر فيه اليابان المتقدمة تقنيا مقابل الصين صاحبة الثقل العددي.
عسكريا، يملك الطرفان مقومات قد تجعل أي اشتباك واسع كارثيا، حيث القوة اليابانية تبدو تقنية متقدمة وحليف أمريكي ثقيل، ولأن هناك 220 ألف جندي محترف ضمن قوات دفاع ذاتي بات طابعها هجومي–دفاعي، ودبابات Type-10 خفيفة وسريعة، وثماني مدمرات آيجيس قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية، وأسطول غواصات فائق الهدوء يعمل ببطاريات ليثيوم أيون، زيادة على أسطول جوي متطور يضم F-15J المطورة، وF-2، وحزمة F-35 التي ستجعل اليابان ثاني أكبر مستخدم لها بعد واشنطن، وقبل كل ذلك، هناك 54 ألف جندي أمريكي، والأسطول السابع، وشبكة رادارية هائلة.
وأما قوة الصين، فهي كتلة استراتيجية تتوسع بلا توقف، فهناك حاملة فوجيان بإقلاع كهرومغناطيسي EMALS، والحاملة سيتشوان لمهام الإنزال وضرب الجزر، ومقاتلات شبحية J-20، ومنظومات صاروخية تقلب المعادلة، بما فيها DF-17 الفرط صوتي، وDF-21D المضاد للحاملات، وDF-26 القادر على ضرب القواعد الأمريكية، زيادة على أسطول بحري هو الأكبر عددا في العالم.
فالصين تملك العمق والمساحة والعدد، بينما تملك اليابان التقنية والجغرافيا والدعم الأمريكي، والنتيجة هي كفتان غير متوازنتين لكن لا إحداهما حاسمة، حيث سيناريوهات الانفجار تبدو أنها ستنتقل من حادث تكتيكي إلى مواجهة كبرى.
شرق آسيا اليوم يشبه أوروبا قبل 1914، حيث مساحة صغيرة تضم قوى كبرى وأعصابا متوترة، و يمكن لطائرة أن تقترب أكثر مما يجب، أو لسفينة أن تحيد عن مسارها مترا واحدا، فيتحول الاحتكاك إلى شرارة، والولايات المتحدة ستدخل فورا بحكم المعاهدات، والصين لن تتراجع عن خطوطها الحمراء، واليابان لم تعد تنوي الاكتفاء بالدبلوماسية، لأن أي تصعيد سيختبر مصداقية كل الأطراف.
والسيناريو الأكثر خطورة هو التصعيد البطيء، هو نقاش ياباني حول قدرات نووية، و ردود صينية، و سباق تسلح كوري، و تحرشات بحرية، ثم ضغط روسي على الجبهة الأوروبية لتشتيت واشنطن، وهكذا تتحول أزمة محلية إلى “حرب عالمية بالتقسيط”، فهل تمنع الحسابات الاقتصادية الحرب؟
قد يجادل البعض بأن حربا كبرى مستبعدة لأن أسعارها الاقتصادية لا تحتمل، لأن الصين لا تستطيع التفريط بسلاسل توريدها العالمية، واليابان لا تحتمل ضربة لصناعتها، والولايات المتحدة تواجه بالفعل ضغط جبهات متعددة، لكن التاريخ يثبت أن القرارات المصيرية لا تتخذ دوما بحسابات ربح وخسارة، فأحيانا تقود الحسابات الجيوسياسية الأطراف إلى حافة تتزحلق منها طوعا أو خطأ.
إن العالم أمام لحظة لا يمكن تجاهلها، لأن السؤال الذي يواجه العالم اليوم ليس ما إذا كانت الحرب ستندلع، بل هو هل يملك النظام الدولي القدرة على احتواء الشرارة إذا اشتعلت؟
شرق آسيا على حافة دقيقة، والمشهد يتغير أسرع مما تتحمله الأعصاب، و القوى الكبرى تقترب من نقطة يصبح فيها التراجع مكلفا مثل التقدم. وفي لحظة كهذه، تبدو المنطقة – وربما العالم – أمام مرحلة يعاد فيها تشكيل موازين القوة بقرارات قد تتخذ في لحظة توتر، لا في لحظة عقلانية.
شارك المقال





















Leave a Reply