اليسار الجديد المتجدد يدق جرس الإنذار: من أزمة الذات إلى مشروع إعادة التأسيس

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح

 

في لحظة سياسية مشحونة بأسئلة المعنى والجدوى، أعلن (تيار اليسار الجديد المتجدد) من داخل الحزب الاشتراكي الموحد عن نفسه رسميا، خلال ندوة صحافية احتضنها نادي المحامين بالرباط يوم 23 مارس 2026. اختيار التاريخ لم يكن اعتباطيا بل استدعاء لذاكرة 23 مارس 1965، بما تحمله من رمزية صدام مبكر بين الدولة والمجتمع، ومن رحمها ولد يسار سبعيني راديكالي. اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يعود نفس السؤال بصيغة مختلفة: هل يستطيع اليسار أن يولد من جديد؟

الكلمة التقديمية للتيار لم تكن مجرد إعلان تنظيمي، بل بدت كبيان نقدي شامل، يجمع بين مراجعة ذاتية قاسية وتشخيص بنيوي لاختلالات الحقل السياسي المغربي. واضعو الأرضية—التي استغرقت أكثر من سنتين من النقاش ووقعها أربعون إطارا حزبيا يعتبرون أنفسهم أمام (لحظة وعي سياسي) تستدعي إعادة بناء الفعل اليساري على أسس فكرية وعلمية وتنظيمية جديدة.

الرسالة المركزية التي حملها الخطاب واضحة: اليسار المغربي، بصيغتيه التقليدية والجديدة، لم يعد قادرا على مواكبة التحولات المجتمعية، بل أصبح متجاوزا من طرف الحركات الاحتجاجية الجديدة، سواء القطاعية أو المجالية. هذا العجز، وفق التيار، ليس فقط نتيجة قيود بنيوية مرتبطة بطبيعة النظام السياسي، بل أيضا حصيلة أعطاب داخلية: تشتت تنظيمي، جمود فكري، وانخراط في لعبة انتخابية فاقدة للمعنى.

في هذا السياق، يطرح التيار نفسه كمحاولة لـ”دق جرس الإنذار”، عبر الدعوة إلى تجديد شامل يتجاوز مجرد الترميم السياسي نحو إعادة صياغة المشروع اليساري ذاته. ومن اللافت أن هذا التجديد لا يختزل في البعد التنظيمي، بل يمتد إلى مراجعة عميقة للمفاهيم: من الطبقة إلى الحشد، من الصراع الطبقي الكلاسيكي إلى أشكال جديدة من الهيمنة تمتد إلى مجالات المعرفة والثقافة والتكنولوجيا.

دوليا، يتبنى الخطاب قراءة كلاسيكية-مجددة في آن واحد: صراع بين قوة صاعدة (الصين) وقوة مهيمنة (الولايات المتحدة)، في استعادة لنظرية (ثوسيديديس) حول انتقال الهيمنة. غير أن هذا التحليل لا يقف عند حدود الجغرافيا السياسية، بل يربط بتحولات أعمق في بنية الرأسمالية العالمية، التي ينظر إليها كمنظومة تحمل في طياتها تناقضات قد تعيد إنتاج الحروب والأزمات.

أما وطنيا، فيتخذ الخطاب نبرة أكثر حدة. إذ ينتقد ما يسميه (الفراغ السياسي) الذي تركه اليسار، ويدعو إلى استعادة المبادرة عبر خوض صراع فكري ضد النيوليبرالية، ليس فقط برفض مفاهيمها، بل بإعادة شحنها بمضامين يسارية بديلة. هنا، يبدو التيار واعيا بأن المعركة لم تعد فقط في الشارع أو المؤسسات، بل أيضا في اللغة والمفاهيم.

ومن بين أكثر المحاور إثارة للانتباه، معالجة التيار لمسألة الدين والعلمانية. فهو يدعو إلى خروج اليسار من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، عبر بناء قراءة يسارية للدين، لا تفصله عن المجتمع، بل تعيد تأويله كحامل لقيم العدالة والمساواة. في المقابل، يطرح بوضوح مطلب فصل الدين عن الدولة، باعتباره شرطا لتحرير الفضاء السياسي، دون المساس بحرية المعتقد.

كما يحضر بقوة في الخطاب نقد تاريخي لموقف اليسار من القضية الأمازيغية، حيث يقر التيار بتهميشها لصالح نزعة قومية عروبية، ما فتح المجال أمام قوى أخرى لاحتكار هذا الملف. وهو اعتراف يحمل في طياته دعوة لمراجعة عميقة للهوية الثقافية والسياسية لليسار المغربي.

في ملف الصحراء، يتبنى التيار موقفا واضحا بدعم الحكم الذاتي كصيغة لتقرير المصير، مع ربط حل النزاع بمسار الدمقرطة والوحدة المغاربية، في محاولة للجمع بين البعد الوطني والرؤية الإقليمية.

لكن، رغم هذا الطموح النظري الواسع، يطرح الخطاب تحديا جوهريا: هل يستطيع هذا التيار الانتقال من مستوى التشخيص العميق إلى الفعل السياسي المؤثر؟ فالتجارب السابقة لليسار المغربي، كما يعترف تيار اليسار الجديد، تعثرت عند عتبة التحالفات والتنظيم.

في المحصلة، تقدم كلمة (اليسار الجديد المتجدد) نفسها كمشروع لإعادة التفكير في اليسار، أكثر مما هي خطة جاهزة لإعادة بنائه. إنها محاولة لاستعادة المبادرة في سياق فقدان المعنى، ورهان على أن الأزمة ليست نهاية، بل فرصة لإعادة التأسيس.

يبقى السؤال مفتوحا: هل نحن أمام بداية دينامية يسارية جديدة، أم مجرد حلقة أخرى في سلسلة محاولات التجديد التي لم تكتمل؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *