رصد المغرب / عبدالعالي بريك
في وقت تسعى فيه مدينة فاس إلى ترسيخ موقعها كوجهة رياضية وسياحية، تفجر الجدل حول تنظيم ما يعرف بـ“الماراثون الروحي”، وهو حدث يرتقب أن يستقطب آلاف المشاركين من داخل المغرب وخارجه، رغم كونه غير مرخص قانونا وفق ما أكدته مراسلة رسمية صادرة عن الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى. هذا المعطى يضع الجميع أمام سؤال حقيقي لا يقبل التأجيل، وهو هل يمكن السماح بتنظيم تظاهرة رياضية دولية خارج إطار القانون؟
القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة واضح في هذا الباب، إذ ينص بشكل صريح على ضرورة الحصول على ترخيص مسبق من الجامعة المختصة قبل تنظيم أي تظاهرة رياضية. هذا الإجراء ليس مجرد مسطرة إدارية، بل هو أساس لضمان السلامة العامة، وتأمين المشاركين، واحترام المعايير التقنية والتنظيمية المعتمدة. وفي غياب هذا الترخيص، يتحول الحدث من مبادرة رياضية إلى مخاطرة مفتوحة على كل الاحتمالات، خصوصا حين يتعلق الأمر بمشاركة جماهيرية واسعة وعدائين قادمين من دول مختلفة.
إن خطورة الوضع لا تكمن فقط في خرق قانوني، بل في ما قد يترتب عنه من تداعيات ميدانية. فتنظيم سباق بهذا الحجم دون تأطير قانوني واضح يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بالتأمين، والتغطية الصحية، وتأمين المسار، وتدبير الحشود. وفي حال وقوع أي حادث، فإن السؤال لن يكون تقنيا أو تنظيميا فقط، بل قانونيا بامتياز، فمن سيتحمل المسؤولية؟ هل الجهة المنظمة التي لم تحترم المساطر القانونية؟ أم الجهات التي قد تتغاضى عن هذا الخرق؟ أم أن المسؤولية ستتوزع بشكل يضيع معه حق المتضررين؟
الأمر يزداد تعقيدا عندما يتعلق بمشاركين أجانب، حيث قد تتحول أي حادثة إلى قضية ذات أبعاد دولية تمس بصورة المغرب والتزامه بالمعايير المعمول بها في تنظيم التظاهرات الرياضية. فالدول التي ترسل مواطنيها للمشاركة في مثل هذه الأحداث تفترض ضمنيا أن التظاهرة تحترم القوانين وتتوفر على كل شروط السلامة، وأي إخلال بذلك قد يضع الجهات المعنية في موقف حرج أمام شركاء دوليين.
كما أن المعطيات المتداولة حول وجود نزاع قانوني يخص الجهة المنظمة، معروض أمام القضاء، تضيف بعدا آخر من الحساسية. ففي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري التحلي بأقصى درجات الحذر، تفاديا لأي قرارات قد تفهم على أنها تجاوز لمسار العدالة أو تأثير على مآلاته. وهنا يبرز مبدأ أساسي في دولة القانون، حيث لا يمكن لأي نشاط، مهما كانت أهدافه، أن يعلو فوق سلطة القانون أو يلتف عليها.
إن دور السلطات المحلية في هذه المرحلة لا يقتصر على المواكبة أو التنظيم، بل يتعداه إلى السهر الصارم على تطبيق القانون. فالتغاضي عن تنظيم حدث غير مرخص لا يمكن اعتباره مرونة، بل قد يفهم كمساس بهيبة القانون وفتح لباب الفوضى في مجال يفترض أن تحكمه قواعد دقيقة. كما أن ذلك يطرح إشكال تكافؤ الفرص، حيث تجد الجمعيات الملتزمة بالقانون نفسها في وضع غير عادل مقارنة بجهات تتجاوز المساطر دون مساءلة.
مدينة فاس، بما تحمله من تاريخ ورمزية، تستحق أن تكون فضاء لتنظيم تظاهرات كبرى وفق أعلى المعايير، لا أن ترتبط بأنشطة خارج الإطار القانوني قد تسيء إلى صورتها أكثر مما تخدمها. فالرهان الحقيقي ليس في تنظيم سباق مهما كان حجمه، بل في ضمان أن يتم ذلك في إطار يحمي المشاركين، ويحترم القوانين، ويعزز الثقة في المؤسسات.
في نهاية المطاف، يبقى احترام قرار المنع الصادر عن الجهة الوصية ليس تضييقا على المبادرات، بل ضمانة أساسية لسلامة الجميع، وترسيخا لمبدأ واضح لا يقبل التأويل، وهو أن القانون فوق الجميع، والمسؤولية لا تتجزأ، وأي تهاون اليوم قد يكلف غدا ثمنا باهظا لا يمكن تداركه.
شارك المقال























Leave a Reply