قطاع سيارات الأجرة بين مطرقة تقنين الأسعار وسندان تقلبات المحروقات
رصد المغرب / مراد مجاهد
في كل مرة يرتفع فيها سعر المحروقات يُقال للمواطن إن الأمر خارج عن الإرادة الوطنية، وإن السوق الدولية هي التي تحكم، وإن الحروب والأزمات الجيوسياسية هي التي تضبط الإيقاع. وقد يكون في ذلك شيء من الحقيقة، لكن الحقيقة الكاملة لا تقف عند حدود السوق العالمية ولا عند حدود نشرات الأسعار الدولية، بل تمتد إلى كيفية تدبير الدول لأثر هذه التقلبات على مجتمعاتها، لأن الاقتصاد في النهاية ليس مجرد أرقام في تقارير الطاقة، بل هو قبل كل شيء توازن دقيق بين كلفة الإنتاج وقدرة الناس على العيش. ومن هنا يبرز سؤال مشروع كلما وقع ارتفاع مفاجئ في سعر الغازوال: أين موقع السياسات العمومية من هذه الصدمات، وأين يذهب منطق الاحتياطات وآليات التخفيف التي تعتمدها الدول عادة لحماية قطاعات حيوية من تقلبات السوق؟ فالمعروف في التجارب الاقتصادية المقارنة أن الحكومات، حتى في ظل أنظمة تحرير الأسعار، لا تترك كل شيء لآلية السوق العارية، بل تحتفظ بهوامش تدخل عبر الاحتياطات أو عبر سياسات موجهة لحماية بعض الفئات أو القطاعات التي تقدم خدمات أساسية للمجتمع.
وهنا يظهر مفهوم آخر لا يقل أهمية، وهو مفهوم السيادة الطاقية، أي قدرة الدولة على تدبير أمنها الطاقي بشكل استباقي، عبر تنويع مصادر الطاقة وتطوير آليات التخزين الاستراتيجي التي تسمح بامتصاص الصدمات الظرفية عندما تضطرب الأسواق العالمية. فالتخزين الاستراتيجي ليس مجرد تقنية لوجستية، بل هو أداة سيادية بامتياز، تلجأ إليها الدول لضمان قدر من الاستقرار الداخلي عندما ترتفع الأسعار عالميًا أو عندما تتعرض سلاسل الإمداد لهزات مفاجئة. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم ليس سؤالًا تقنيًا بقدر ما هو سؤال سياسي واقتصادي مشروع: كيف تُدار هذه الاحتياطات؟ وما مدى قدرتها على تخفيف أثر الزيادات المفاجئة على الاقتصاد الوطني وعلى الفئات المهنية الأكثر ارتباطًا باستهلاك الطاقة في عملها اليومي؟
وإذا انتقلنا من هذا الإطار العام إلى حالة قطاع سيارات الأجرة، فإن المفارقة تصبح أكثر وضوحًا، لأن هذا القطاع يعيش وضعًا قانونيًا خاصًا يجعله خارج منطق السوق الحرة من جهة، وداخلها من جهة أخرى، وهو وضع هجين يطرح أكثر من سؤال. فخدمة سيارات الأجرة ليست نشاطًا تجاريًا حرًا بالمعنى الكامل، بل هي خدمة نقل عمومي خاضعة لتنظيم إداري صارم، حيث تحدد السلطات العمومية تعريفة النقل مسبقًا حمايةً للقدرة الشرائية للمواطن وضبطًا للعلاقة بين مقدم الخدمة والمستفيد منها. بمعنى آخر، الدولة تتدخل هنا لتقول إن ثمن الخدمة لا يمكن أن يترك للمنافسة أو للمزاج التجاري، بل يجب أن يبقى في حدود معينة تراعي مصلحة المستهلك.
غير أن هذا التدخل في تحديد السعر يقابله في المقابل انسحاب شبه كامل عندما يتعلق الأمر بتكاليف الإنتاج التي يتحملها المهني، وعلى رأسها كلفة المحروقات، ويأتي هذا الانسجام القانوني مع المرسوم التطبيقي للقانون 104.12 رقم 2.14.652، الذي ينص على إمكانية تحديد لائحة السلع والخدمات التي يمكن تنظيم أسعارها بقرار حكومي بعد استشارة مجلس المنافسة ولجنة الأسعار، بما يشمل بعض الخدمات الأساسية للمجتمع. وهي المفارقة التي تجعل السائق المهني اليوم عالقًا بين منطقين قانونيين مختلفين: من جهة قطاع تحكمه تعريفة مقننة بقرارات تنظيمية، ومن جهة أخرى سوق طاقية خاضعة لتحرير الأسعار، الذي يقوم في جوهره على مبدأ ترك تحديد الأسعار لقواعد السوق والمنافسة. وهكذا يجد المهني نفسه عمليًا أمام معادلة غير متوازنة: خدمة بسعر محدد إداريًا، مقابل كلفة تشغيل مفتوحة على تقلبات السوق الدولية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: عندما يكون ثمن الخدمة مقننًا بقوة التنظيم الإداري، فهل من المنطقي أن تترك كلفة الإنتاج الأساسية خاضعة بالكامل لتحرير الأسعار دون أي آلية للتوازن؟ لأن النتيجة في هذه الحالة تصبح واضحة؛ فكل ارتفاع في سعر الغازوال يتحول مباشرة إلى عبء يتحمله السائق المهني، بينما المستهلك يبقى محميًا بالتعريفة المحددة، والدولة تكتفي بدور المراقب. وهذا الوضع يخلق اختلالًا بنيويًا في المعادلة الاقتصادية للقطاع، لأن المهني لا يملك في الواقع أي أداة لمواجهة هذه الصدمات: لا يستطيع رفع السعر لأنه مقنن، ولا يستطيع خفض الكلفة لأنها مرتبطة بسوق محررة بالكامل.
ومن هنا يظهر البعد الحقيقي للنقاش، فهو ليس مجرد تذمر مهني من ارتفاع الأسعار، بل هو سؤال يتعلق بطبيعة السياسة العمومية تجاه قطاع يقدم خدمة عمومية يومية لملايين المواطنين. فإذا كانت فلسفة تقنين التعريفة قائمة على حماية القدرة الشرائية للمستهلك، فإن العدالة الاقتصادية تقتضي في المقابل أن تُحمى استدامة الخدمة نفسها، لأن الخدمة لا يمكن أن تستمر إذا تحولت إلى نشاط خاسر لمن يقدمها. وفي العديد من الدول، حين توجد قطاعات تقدم خدمات أساسية بأسعار محددة إداريًا، فإن الدولة تعتمد أشكالًا مختلفة من التوازن: إما عبر دعم مباشر للمهنيين، أو عبر تخفيضات ضريبية مرتبطة بالمحروقات المهنية، أو عبر آليات تعويض مرحلية عندما تقع صدمات سعرية كبيرة في السوق الدولية.
أما أن يُطلب من السائق المهني أن يؤدي خدمة عمومية بتعريفة ثابتة بينما يتحمل وحده تقلبات سوق الطاقة، فذلك يضعه في موقع لا هو فيه فاعل اقتصادي حر قادر على تعديل أسعاره، ولا هو فيه مرفق مدعوم تعوضه الدولة عن التزاماته الاجتماعية. إن المسألة في جوهرها ليست صراعًا بين السائق والمستهلك، لأن الاثنين في الواقع ضحيتان لمعادلة غير متوازنة؛ المستهلك يحتاج إلى نقل يومي بأسعار معقولة، والسائق يحتاج إلى دخل يضمن استمرارية عمله، والدولة هي الطرف الوحيد القادر على إعادة ضبط هذا التوازن.
ولذلك فإن النقاش الحقيقي يجب أن ينتقل من ردود الفعل الآنية إلى سؤال أعمق: هل يُنظر إلى قطاع سيارات الأجرة باعتباره مجرد نشاط فردي يشتري الوقود ويبيع خدمة نقل مثل أي سلعة في السوق، أم باعتباره جزءًا من منظومة النقل العمومي التي تستوجب سياسات خاصة تضمن استقرارها؟ لأن الجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدد المنطق الذي ينبغي أن يحكم التعامل مع مثل هذه الزيادات. فإذا كان القطاع مرفقًا حيويًا يقدم خدمة يومية مرتبطة بحياة الناس، فإن منطق الحكامة الاقتصادية يقتضي التفكير في آليات تحمي توازنه كلما اختلت معادلة الكلفة والسعر.
ومن بين المقاربات التي يمكن التفكير فيها بجدية، إعادة النظر في مفهوم الغازوال المهني باعتباره أداة تنظيمية وليست مجرد آلية دعم مالي مباشر. فالدعم النقدي المباشر، كما أظهرت تجارب عديدة، قد يتحول في كثير من الأحيان إلى منفذ للهدر أو إلى مورد تستفيد منه شبكات الريع والمضاربة أكثر مما يستفيد منه المهني الحقيقي. أما المقاربة الأكثر عدلاً وشفافية فهي تلك التي تقوم على توجيه الاستفادة بشكل دقيق إلى السائق المهني الفعلي، عبر اعتماد بطاقة مهنية ذكية مرتبطة بالهوية المهنية للسائق، تمكنه من التزود بحصة محددة من الغازوال المهني بثمن تفضيلي مرتبط بطبيعة الخدمة العمومية التي يقدمها. فبهذه الطريقة يتحقق هدفان في آن واحد: حماية استمرارية خدمة النقل العمومي التي يعتمد عليها المواطن يوميًا، وضمان أن أي آلية للتخفيف لا تتحول إلى دعم عشوائي يتسرب إلى جيوب الجشعين أو إلى حلقات الوساطة غير المنتجة.
إن الاقتصاد، في نهاية المطاف، لا يقوم على ردود الأفعال المؤقتة بل على بناء معادلات متوازنة بين المصلحة الاجتماعية والاستقرار المهني. وقطاع سيارات الأجرة، بما يقدمه من خدمة يومية لا يمكن الاستغناء عنها داخل المدن، يستحق أن يُنظر إليه ضمن هذا المنطق، لا كعبء ظرفي في لحظة أزمة، بل كجزء من البنية الحيوية للنقل الحضري التي ينبغي حمايتها بسياسات عقلانية تضمن استمراريتها وعدالتها في آن واحد.
إرسال التعليق