سقوط الوهم

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


لم تكن الضربة التي استهدفت أحد أبرز قيادات جبهة البوليساريو مجرد عملية عسكرية عابرة، بل شكلت حدثا مفصليا حمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود الميدان. حيث في لحظة واحدة، تهاوت رهانات بنيت على سنوات من الدعاية والترويج لشخصية قدمت داخل المخيمات وخارجها باعتبارها مشروع قيادة مستقبلية للتنظيم الانفصالي، قبل أن تنهيها ضربة خاطفة أعادت رسم معادلات القوة في المنطقة.

العملية، وفق القراءة التي يقدمها أنصار الموقف المغربي، لم تستهدف فردا بعينه فقط، بل استهدفت بنية كاملة من التصورات التي روجت لإمكانية فرض واقع جديد على الأرض. فقد أظهرت أن التحركات والتمركزات داخل محيط تندوف ليست بمنأى عن الرصد والمتابعة، وأن القدرات الاستخباراتية والعسكرية المغربية قادرة على الوصول إلى أهدافها متى اقتضت الضرورة ذلك.

وفي هذا السياق، اعتبر كثيرون أن الحدث كشف هشاشة الصورة التي حاولت بعض الأطراف الإقليمية تسويقها حول قوة التنظيم وقدرته على فرض توازن ميداني. فبينما كانت الخطابات السياسية والإعلامية تتحدث عن أوراق ضغط ومكاسب استراتيجية، جاءت الوقائع لتؤكد أن ميزان القوة الحقيقي يقاس بالقدرة على الفعل والتأثير، لا بالشعارات والبيانات.

كما أعادت الضربة فتح النقاش حول أدوار بعض الأطراف الإقليمية في هذا الملف، خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم والتسهيلات والاحتضان السياسي. فالتطورات الأخيرة دفعت إلى طرح أسئلة جديدة حول حدود الحياد الإقليمي ومسؤولية الدول المجاورة في منع أي أنشطة يمكن أن تهدد الاستقرار أو تؤجج التوترات القائمة.

ومن منظور استراتيجي، تبدو الرسالة الأساسية واضحة، وهي أن المغرب يعتبر أمنه القومي وخطوطه الحمراء غير قابلة للمساومة، وهو مستعد لاستخدام مختلف أدواته الدفاعية لحماية مصالحه ووحدته الترابية. لذلك فإن أي محاولة لفرض معادلات جديدة خارج منطق التوازنات القائمة ستصطدم بواقع ميداني مختلف تماما عما تروجه بعض الخطابات السياسية.

خلاصة، سواء اختلفت القراءات أو تباينت المواقف، فإن ما حدث يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأوراق. فالأحداث الأخيرة لم تسقط شخصا فقط، بل أسقطت معها كثيرا من الرهانات التي اعتقد أصحابها أنها قادرة على تغيير مسار الصراع. وبين ضجيج البيانات وصمت الميدان، يبقى الواقع هو الحكم الأخير في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *