آخر الأخبار

عبد الوهاب المسيري والأمير السعودي الشاب

عبد الوهاب المسيري والأمير السعودي الشاب

رصد المغرب/جمال سلطان


كان ذلك في العام 2004 أو بعده بقليل ، كان الدكتور عبد الوهاب المسيري قد انتهى من موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية” ، ذلك السفر الكبير ، والمرجع الذي لا نظير له في العربية ، في حوالي ثلاثة آلاف صفحة ، ويحتفل بطباعته وانتشاره ، جميل أن يرى الإنسان ثمرة جهده الشاق وهي تتجلى في الواقع ويتقبلها الناس بقبول حسن .

استغرقت الموسوعة من المسيري حوالي ثلاثة وعشرين عاما ، من الجهد الشاق المتواصل ، وتقريبا كان شبه متفرغ لإنجازها ، يعاونه عدد من تلاميذه ، حتى إذا ما أتمها وخرجت للنور ، بدأت الآلام والأمراض تظهر عليه دفعة واحدة ، وخاصة مشكلة النخاع الشوكي في عمود الظهر المزعجة جدا، واحتياجه لعملية دقيقة لزرع نخاع، إضافة لإصابة بسرطان الدم ، كنت أكثر قربا منه في تلك الفترة، وكنت أمازحه وأقول له إن الله حجب عنك هذا العذاب حتى تنهي رسالتك التي ربما من أجلها منحك الوجود والعقل والطاقة ، حتى إذا انتهت الرسالة انتهت الحماية الاستثنائية .

سعى أصدقاء للمسيري من النخبة المصرية لاستخلاص قرار بعلاجه على نفقة الدولة، لأن تكاليف علاج هذا النوع من المرض عالية، وليست في طاقته المالية ، كان علاجه في الولايات المتحدة أو بريطانيا ، ولا علاج له في مصر ، تحدثوا مع الدكتور أسامة الباز ، مستشار الرئيس مبارك وقتها ، وصديق المسيري ، الباز كبر دماغه وتجاهل الطلب ، وربما عجز أو خاف من مبارك، أو ربما حدث مبارك والأخير تجاهل كلامه، والخلاصة أن الدولة تجالته في محنته ، وأسقط في يدنا ، وكنا نشعر بآلام العجز أمام الآلام المتزايدة للمسيري .

في ذلك الوقت كتبت مقالا عن آلام المسيري ومحنته وتخلي الجميع عنه ، ونشرته ـ إن لم تخني الذاكرة ـ في صحيفة “عكاظ” السعودية ، حيث كان لي مقال أسبوعي فيها ، ولفت المقال انتباه كثيرين في الخليج ، وأثار حزنهم ، حتى فوجئت باتصال من صديق مثقف سعودي يعمل مترجما في شركة أرامكو ، وكان يزورني بين الحين والآخر في القاهرة في طريق علاجه من صداع نصفي مزمن ، فوجئت به يتصل بي من المملكة وهو في حالة غضب شديد مختلط بالبكاء ، ويقول لي : المسيري ؟ كيف يترك هذا الرجل للعذاب ؟ هل هذه مكافأة الأمة له على عطائه ؟ المسيري ؟ كنت أتبين كلماته عبر الهاتف بصعوبة من شدة بكائه ، ثم ختم المكالمة بقوله أنه سينزل القاهرة غدا ويزورني لنذهب سويا للمسيري للحصول على ملفه الطبي كاملا لعرضه على بعض المهتمين في المملكة .

في اليوم التالي وصل كما وعد ، وكنت قد رتبت مع المسيري موعدا ، لم أخبره بتفاصيله لأني أعرف عزة نفسه، وقلت له أن ضيفا من السعودية محبا لك يريد رؤيتك ، فرحب ، ذهبنا إليه ، وسلمنا وجرى بيننا بعض الحديث عن آلامه ومرضه ، ثم قطعت الكلام وقلت له : يا دكتور نحن نريد نسخة من الملف الطبي كاملا ، قال : لماذا ؟ قلت لكي نعرضه على بعض المهتمين في السعودية ليتحملوا مسؤولية علاجك طالما فشلنا في مصر ، فبدا الحزن على وجهه وكأنه شعر بجرح عزة نفسه ، وقال : لا ، ما فيش ملف طبي ، قلت له : لا ، فيه ملف طبي وسنأخذه ، قال : ما فيش ، قلت له : لن أخرج من هذا المكان إلا ومعي الملف ، وهنا تدخلت الدكتورة هدى حرمه ونصحته بتسليمنا الملف لإنهاء هذا الجدل ، فما إن تسلمه صديقي السعودي حتى احتضنه بقوة ، وطلب مني الخروج حالا ، خشية أن يطلب المسيري استرجاعه في نوبة تردد !.

سافر الصديق في اليوم نفسه ، وما هي إلا أيام ، أقل من أسبوع ، حتى اتصل بي متهللا يكاد يرقص فرحا ، وهو يقول : خلاص ، سيصدر شيك العلاج ، مائتان وخمسون ألف دولار أمريكي ، وكاد يغمى علي لما سمعته ، من فرط السعادة والمفاجأة ، شكرته ، ثم اتصلت بالمسيري مباشرة أفرحه ، وكان يوما جميلا ، ووصل الشيك وسافر المسيري للعلاج .

لم أعرف من هذا “المحسن” الذي تكفل بعلاج المسيري ، وتحرجت أن أسأل صديقي ، حتى بدأت الأخبار تتسلل للصحافة السعودية بأن الأمير الشاب عبد العزيز بن فهد ، وكان وزير دولة وقتها في الديوان الملكي ، هو الذي تحمل شيك علاج المسيري ، وبعدها بأشهر أخرى ، أصدر الأمير سلطان بن عبد العزيز ، ولي العهد ، قرارا بتحمل نفقات علاج المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري في الولايات المتحدة بسقف مالي مفتوح ، أي ، أيا كانت التكاليف .

هل كان المسيري هو الرمز المصري الكبير الوحيد الذي عالجته السعودية على نفقتها بعد أن خذله بلده مصر؟ لا، هناك آخرون، وهناك للكلام بقية

إرسال التعليق