رصد المغرب/الادريسي حسن
تقدم مداخلة عمر معروف المعتقل الاسلامي السابق نموذجا مختلفا في مقاربة تجربة الاعتقال السياسي، لا من حيث الوقائع فحسب، بل من حيث زاوية النظر والرسالة المقصودة. فهي ليست شهادة تقليدية تستعيد الألم الجسدي أو تسرد تفاصيل الانتهاكات، بقدر ما هي موقف أخلاقي وحقوقي واعٍ يختار أن ينقل النقاش من منطق المعاناة الفردية إلى أفق المسؤولية الجماعية والمستقبل المشترك.
ينطلق عمر معروف من تجربته الشخصية كمعتقل إسلامي سابق دخل مسار الاعتقال والمحاكمة سنة 2003 دون اختيار، ليؤكد أن تلك المرحلة، على قسوتها، لم تختزل في كونها زمنا للمعاناة فقط، بل تحولت إلى مدرسة في الصبر وفهم أعمق لمعنى العدل وحقوق الإنسان. هذا التقديم ليس بريئا ولا عاطفيا، بل يعكس وعيا بأن التجربة الفردية، حين تستعمل فقط لاستدرار التعاطف، تفقد جزءا من قوتها السياسية والأخلاقية، بينما تتحول، إذا صيغت كدرس إنساني عام، إلى أداة للمساءلة والإصلاح.
اللافت في المداخلة هو الغياب المقصود للحديث التفصيلي عن التعذيب أو الانتهاكات الجسدية، وهو غياب لا يعني الإنكار أو التقليل من خطورتها، بل يعكس اختيارا واعيا بعدم الارتهان للماضي كجرح مفتوح، وبالتركيز بدل ذلك على سؤال المستقبل: كيف يمكن منع تكرار ما وقع؟ وكيف يمكن بناء عدالة حقيقية لا تقتصر على الاعتراف الرمزي، بل تمتد إلى ضمان الحقوق وإعادة الاعتبار؟ في هذا المعنى، تتحول المداخلة من شهادة ضحية إلى خطاب فاعل حقوقي يطالب بإصلاحات ملموسة.
يؤكد عمر معروف أن كرامة الإنسان ليست شعارا مناسباتيا يرفع في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، بل التزام دائم يفرض على الدولة والمؤسسات حماية الحقوق دون تمييز أو استثناء. هذا التأكيد يحمل في طياته نقدا ضمنيا للانتقائية في التعاطي مع ملف المعتقلين الإسلاميين، وللمنطق الذي قسم ضحايا الانتهاكات إلى فئات متفاوتة في الاعتراف والإنصاف. ومن هنا، يضع معاناة المعتقلين الإسلاميين ضمن سياق أوسع من الانتهاكات الجسيمة التي عرفها المغرب، معتبرا أن استمرار هذا الملف دون حل عادل يشكل ثغرة حقيقية في مسار العدالة الانتقالية.
وتتجلى قوة المداخلة في طابعها العملي من خلال التوصيات التي ختم بها المتدخل، إذ لم يكتفِ بالتشخيص، بل قدّم تصورا واضحا لما ينبغي القيام به: تعزيز الرقابة على مؤسسات الاحتجاز، تحديث القوانين بما ينسجم مع المعايير الدولية، تمكين المجتمع المدني من تتبع أوضاع السجون، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين المتبقين على خلفية قضايا الإرهاب المزعومة. كما شدد على ضرورة جبر الضرر بشكل شامل، ماديا ومعنويا، عبر آليات شفافة ومنصفة، تشمل التأهيل وإعادة الإدماج والدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي.
في العمق، تعكس مداخلة عمر معروف تحولا في خطاب المعتقلين الإسلاميين السابقين، من خطاب يركز على المظلومية وحدها إلى خطاب يطالب بالحقوق باعتبارها استحقاقا قانونيا وإنسانيا. إنها مداخلة لا تسكن الماضي، ولا تستثمر الألم، بل تسائل الحاضر وتضغط في اتجاه مستقبل تصان فيه الكرامة الإنسانية بوصفها أساس الاستقرار والعدالة. وبهذا المعنى، فإن صمت المتدخل عن التعذيب لم يكن فراغا، بل كان موقفا، اختار فيه أن يجعل من التجربة القاسية منطلقا للمطالبة بدولة قانون تحمي الجميع، لا استثناء فيها ولا نسيان.
Share this content:






















Leave a Reply