آخر الأخبار

خسارة إعلام تنظيم الدولة الإسلامية

خسارة إعلام تنظيم الدولة الإسلامية

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

مقدمة

في عالم اليوم المعقد، تتشابك الصراعات العسكرية مع الحروب النفسية والمعلوماتية، حيث يبرز دور الإعلام كعنصر حاسم في تشكيل الرأي العام، وتعبئة الجماهير، وتحقيق الأهداف الاستراتيجية. لم يعد الإعلام مجرد أداة لنقل الأخبار، بل تحول إلى ساحة معركة بحد ذاتها تتنافس فيها القوى المختلفة على السردية والتأثير.

في هذا السياق، شهد العالم ظاهرة فريدة تمثلت في صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي لم يكتفِ بفرض نفوذه العسكري والسيطرة على الأراضي، بل أقام إمبراطورية إعلامية موازية فاقت في احترافيتها وتأثيرها ما قدمته العديد من الحركات الجهادية السابقة، بل وحتى بعض الدول. لقد أدرك التنظيم مبكرا أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل في العقول والقلوب، وأن الإعلام يمكن أن يكون سلاحا لا يقل فتكا عن الرصاص والقنابل.

تميز إعلام داعش بقدرته الفائقة على توظيف أحدث تقنيات ومنصات العصر الرقمي، من المجلات المطبوعة ومقاطع الفيديو عالية الجودة إلى الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم افكاره بطريقة جذابة ومؤثرة. هذا التفوق الإعلامي مكن التنظيم من بث الرعب في قلوب خصومه، واستقطاب المقاتلين من مختلف أنحاء العالم، وتشكيل صورة ذهنية محددة لنفسه كـ “دولة خلافة” قوية وممتدة.

ومع انهيار “الخلافة” المزعومة وخسارة التنظيم لأراضيه، تراجعت هذه الآلة الإعلامية بشكل كبير. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل ظاهرة إعلام تنظيم الدولة الإسلامية من منظور شامل، مع التركيز على أن خسارة هذا الإعلام تمثل أكبر خسارة للتنظيم، ربما تفوق خسارته للأراضي. تسعى الدراسة إلى إظهار كيف أن الإعلام لم يكن مجرد أداة مساعدة لداعش، بل كان جزءًا لا يتجزأ من هويته وقوته، وأن تراجعه يمثل ضربة قاصمة لجوهر وجوده.

الفصل الأول: تطور الإعلام الجهادي وتفوق إعلام داعش

شهدت الحركات الجهادية على مر التاريخ تطورا ملحوظا في استخدامها لوسائل الإعلام، متكيفة مع التقنيات المتاحة في كل مرحلة. بدأت هذه الحركات منذ سبعينيات القرن الماضي في إدراك أهمية الإعلام كأداة للتعبئة والتجنيد. ومع ظهور تنظيم القاعدة، شهد الإعلام الجهادي نقلة نوعية، حيث استغل التنظيم شبكة الإنترنت مبكرا، وإن كان ذلك في بداياته يقتصر على المنتديات والمواقع الإلكترونية البسيطة لنشر البيانات والتسجيلات الصوتية والمرئية ذات الجودة المتواضعة. كانت هذه المرحلة تتميز بالاعتماد على إصدارات مركزية، وغالبا ما كانت تفتقر إلى الاحترافية في الإنتاج والإخراج، مع التركيز على الخطاب الأيديولوجي المباشر.

حدث تحول جذري في المشهد الإعلامي الجهادي مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لم يكتفِ داعش بمواكبة التطور التكنولوجي، بل تفوق على جميع أسلافه ومعاصريه في هذا المجال، ليصبح رائدا في استخدام الإعلام الرقمي بأسلوب احترافي ومبتكر. أدرك التنظيم أن العصر يتطلب خطابا إعلاميا جذابا ومؤثرا، قادرا على الوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعا خاصة الشباب في الغرب والعالم العربي.

يكمن تفوق إعلام داعش في عدة جوانب رئيسية:

1.الاحترافية والجودة العالية: على عكس الإصدارات السابقة للحركات الجهادية التي كانت تبدو غالبا بدائية استثمر داعش بشكل كبير في إنتاج مواد إعلامية ذات جودة عالية جدا. كانت مقاطع الفيديوتنتج  بتقنيات سينمائية، مع استخدام مؤثرات بصرية وصوتية متقدمة، وإنتاج احترافي، مما جعلها تنافس الإنتاجات الإعلامية التقليدية. لم تكن هذه الجودة مجرد ترف، بل كانت جزءا أساسيا من استراتيجية التنظيم لإضفاء الشرعية على رسالته، وبناء صورة “الدولة” القوية، وجذب الانتباه.

2.التنوع في المحتوى والمنصات: لم يقتصر إعلام داعش على نوع واحد من المحتوى أو منصة واحدة. أنتج التنظيم مجموعة واسعة من المواد الإعلامية، بما في ذلك:

المجلات المطبوعة والإلكترونية: مثل “دابق” و”رومية”، التي كانت تصدر بلغات متعددة وتستهدف جمهورا عالميا  وتقدم تحليلات أيديولوجية، وأخبارا، ومقابلات، وصورا جذابة.

مقاطع الفيديو: التي تراوحت بين التوثيق العسكري للعمليات، ومقاطع الإعدام الوحشية لبث الرعب، ومقاطع “الحياة اليومية” في ظل “الخلافة” لجذب المتعاطفين، ومقاطع تحفيزية للمقاتلين.

الإذاعات والقنوات التلفزيونية: مثل إذاعة البيان، التي كانت تبث الأخبار والخطب والأناشيد.

المنصات الرقمية: استغل داعش ببراعة وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر، ويوتيوب، وتلغرام، وفيسبوك، لنشر محتواه والوصول إلى أعداد هائلة من المتابعين، متجاوزا بذلك الرقابة التقليدية 4.

3.استهداف الجمهور وتخصيص الرسائل: أظهر إعلام داعش فهما عميقا للجمهور المستهدف. كانت الرسائل تصمم بعناية لتناسب فئات مختلفة، من المتدينين الباحثين عن “الخلافة الإسلامية”، إلى الشباب الباحث عن المغامرة أو الهوية، وصولا إلى الأفراد المهمشين في المجتمعات الغربية. كما استخدم التنظيم لغات متعددة، بما في ذلك الإنجليزية والفرنسية والألمانية، لضمان وصول رسالته إلى أوسع نطاق ممكن.

4.المركزية في التخطيط واللامركزية في التنفيذ: اعتمدت الآلة الإعلامية لداعش على هيكل تنظيمي فريد يجمع بين المركزية واللامركزية. فبينما كان هناك “ديوان الإعلام المركزي” الذي يخطط ويضع الاستراتيجيات، كانت هناك “مكاتب إعلامية” في كل ولاية تابعة للتنظيم، تضم مصورين وفنيين، تقوم بإنتاج المواد الإعلامية محليًا. سمح هذا النموذج بإنتاج كميات هائلة من المحتوى، مع الحفاظ على معايير الجودة والرسالة الموحدة 6.

في الختام، يمكن القول إن إعلام داعش لم يكن مجرد أداة دعائية، بل كان جزءا لا يتجزأ من هويته واستراتيجيته. هذا التفوق الإعلامي مكنه من تحقيق مكاسب كبيرة في التجنيد والتأثير، مما جعله ظاهرة فريدة في تاريخ الحركات الجهادية. ومع ذلك، أصبح هذا الإعلام نفسه نقطة ضعف بعد خسارة التنظيم لأراضيه.

الفصل الثاني: الآلة الإعلامية لداعش (المكتوب والمرئي)

تتعد الآلة الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية نموذجا فريدا في تاريخ التنظيمات الإرهابية، حيث تجاوزت في تعقيدها واحترافيتها ما قدمته أي جماعة جهادية سابقة. لم يكن إعلام داعش مجرد وسيلة لنشر الأيديولوجيا أو التجنيد، بل كان جزءءا لا يتجزأ من استراتيجية التنظيم لبناء “دولة الخلافة” المزعومة، وإضفاء الشرعية عليها، وبث الرعب في قلوب الأعداء، وجذب المؤيدين من جميع أنحاء العالم. أدرك التنظيم قوة الصورة والكلمة في تشكيل الوعي والتأثير على السلوك، واستثمر في ذلك بشكل غير مسبوق.

  1. الإعلام المكتوب: مجلتا “دابق” و”رومية” كنموذجين

تُعد المجلات المطبوعة والإلكترونية من أبرز أدوات الإعلام المكتوب التي استخدمها داعش بفعالية كبيرة. في هذا السياق، برزت مجلتان رئيسيتان هما “دابق” و”رومية”، واللتان لعبتا دورًا محوريًا في نشر فكر التنظيم وتبرير أفعاله.

أ. مجلة “دابق”

صدرت مجلة “دابق” كأول مجلة رسمية لتنظيم الدولة الإسلامية في يوليو 2014، بالتزامن مع إعلان “الخلافة” المزعومة. صدرت المجلة باللغتين العربية والإنجليزية، مما يؤكد سعي التنظيم للوصول إلى جمهور عالمي وليس فقط الناطقين بالعربية.

الأهداف والمحتوى:

التركيز الأيديولوجي: ركزت “دابق” بشكل مكثف على مسائل التوحيد، والجهاد، والجماعة، والمنهج، مقدمة تفسيرًا متطرفًا لهذه المفاهيم لتبرير أفعال التنظيم. كانت المجلة بمثابة مرجع أيديولوجي لمؤيدي التنظيم، تشرح لهم “عقيدة” داعش وتوجهاته.

التبرير الشرعي: سعت المجلة لتقديم مبررات شرعية لأعمال العنف والوحشية التي يمارسها التنظيم، مستخدمة نصوصا دينية مجتزأة ومحرفة لتضليل القراء وإقناعهم بـ “شرعية” هذه الأفعال. على سبيل المثال، كانت المجلة تبرر عمليات الإعدام الجماعي والعبودية والاضطهاد على أساس “الشريعة الإسلامية” وفقًا لتفسيرها الخاص.

بناء صورة “الدولة”: عملت “دابق” على بناء صورة “الدولة” القوية والمستقرة، من خلال نشر تقارير عن “إنجازات” التنظيم في إدارة المناطق التي يسيطر عليها، وتوفير الخدمات، وتطبيق “الشريعة”. كانت هذه التقارير تهدف إلى جذب المؤيدين وإقناع السكان المحليين والعالم بأن داعش ليس مجرد جماعة إرهابية، بل “دولة” حقيقية.

الدعاية والتجنيد: تضمنت المجلة مقالات ومقابلات تهدف إلى تحفيز الشباب على الانضمام إلى التنظيم و”الهجرة” إلى “أرض الخلافة”، ونشرت صورًا ومقاطع من حياة المقاتلين الأجانب، مقدمة صورة رومانسية عن “الجهاد” والحياة في ظل “الخلافة”.

التسمية والتأثير: اسم المجلة “دابق” مستوحى من قرية سورية ورد ذكرها في حديث نبوي يتنبأ بمعركة فاصلة بين المسلمين والروم في “آخر الزمان”. لم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، بل كان يهدف إلى إضفاء بعد ديني ونبوي على التنظيم، وربط أفعاله بـ “نبوءات” نهاية الزمان، مما يعزز من جاذبيته لدى بعض الفئات المتدينة.

ب. مجلة “رومية”

بعد توقف مجلة “دابق” في عام 2016، ظهرت مجلة “رومية” كبديل لها، واستمرت في الصدور بعدة لغات، منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والإندونيسية والأوردية، مما يؤكد استمرار استراتيجية التنظيم في استهداف جمهور عالمي ومتنوع.

الأهداف والمحتوى:

التكيف مع التراجع العسكري: جاء ظهور “رومية” في فترة بدأت فيها خسائر داعش العسكرية تتزايد. لذلك، ركزت المجلة على التكيف مع هذا الواقع الجديد من خلال تغيير خطابها ليناسب مرحلة “الانحسار”. فبدلا من التركيز على “التمدد” و”الانتصارات”، بدأت “رومية” في تبرير الخسائر، والتركيز على “الصمود”، وتشجيع “الذئاب المنفردة” على تنفيذ هجمات في بلدانهم الأصلية 14.

تشجيع الهجمات الفردية: أظهرت “رومية” في أعدادها الأولى دعوات صريحة للمسلمين في الغرب لتنفيذ هجمات ضد غير المسلمين، مقدمة مبررات “شرعية” لهذه الأفعال. يعكس هذا التحول في الخطاب استراتيجية التنظيم لتعويض خسائره الميدانية بالتحول إلى حرب العصابات والإرهاب الفردي.

الاستمرارية الأيديولوجية: على الرغم من التغير في الظروف، حافظت “رومية” على الخط الأيديولوجي العام لداعش، مع التركيز على مفاهيم الولاء والبراء، والتكفير، والجهاد، ومحاربة “الكفار” و”المرتدين”.

  1. الإعلام المرئي: العمود الفقري للآلة الإعلامية

ييعد الإعلام المرئي العمود الفقري للآلة الإعلامية لداعش، حيث أدرك التنظيم مبكرا قوة الصورة وتأثيرها على الجماهير. وفقا للمقولة الشهيرة “إن الصورة تساوي ألف كلمة” هيمنت المواد المرئية على بقية عناصر الأدوات الإعلامية لداعش لكونها أكثر تأثيرا وإقناعا من المواد المقروءة أو المسموعة. يعود ذلك إلى تكوينها التقني العالي وما تحتويه من ألوان وأصوات ومؤثرات تثير المشاهد وتؤثر على إدراكه البصري والسمعي في آن واحد، فضلا عن قدرة الصورة على كسر حاجز اللغة ومخاطبة فئات واسعة ومتنوعة من الجماهير.

أ. الاحترافية والجودة كاستراتيجية

تميز الإنتاج المرئي لداعش بجودة عالية جدا تنافس الإنتاجات السينمائية والتلفزيونية الاحترافية. استخدم التنظيم كاميرات عالية الدقة، ومعدات إضاءة، وبرامج مونتاج احترافية، وفنيين مدربين. لم يكن هذا الاهتمام بالجودة ترفا، بل كان جزءا من استراتيجية التنظيم لإضفاء الشرعية على نفسه، وتقديم صورة “الدولة” القوية والمنظمة، وبث الرعب في قلوب الأعداء.

ب محطات النشاط الإرهابي الإلكتروني المرئي

مر النشاط الإعلامي المرئي لداعش بمرحلتين رئيسيتين:

1مرحلة التمدد (2013-2015): بلغت ذروة الإنتاج الإعلامي لداعش في عام 2015، حيث أنتج ما يقارب 2700 مادة إعلامية شهريًا، استحوذت فيها الصور على 75% ومقاطع الفيديو على 25%. بدأت هذه المرحلة بسلسلة إصدارات “الفرقان” و”الاعتصام”، ووثقت عمليات التنظيم في العراق وسوريا، وصورت حياة المقاتلين الأجانب. ومع إعلان “الخلافة” في 2014، توسع التنظيم في استخدام تقنيات الصوت والصورة، وأنشأ مكاتب إعلامية في كل “ولاية” لإنتاج تقارير فوتوغرافية وفيديوهات عن النشاط العسكري والمدني. استخدم التنظيم مشاهد حقيقية لعمليات الذبح والحرق والاغتيالات والتفجيرات، مثل إصدارات “صليل الصوارم” و”وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به” 23.

2مرحلة الانحسار (نهاية 2015 – بداية 2016): مع تزايد خسائر التنظيم العسكرية، لوحظ تراجع حاد في كم ونوعية الإصدارات المرئية. تحول خطاب الإعلام المرئي إلى “الاستعطاف والمظلومية”، بالتركيز على ضحايا عمليات قصف التحالف الدولي، في محاولة لكسب التعاطف وتبرير التراجع.

الفصل الثالث: خسارة الإعلام كأكبر خسارة لداعش

على الرغم من أن الخسائر العسكرية والميدانية التي مني بها تنظيم الدولة الإسلامية كانت فادحة وأدت إلى انهيار “الخلافة” المزعومة، إلا أن هناك حجة قوية تدعم فكرة أن أكبر خسارة تعرض لها التنظيم كانت في ميدان الإعلام. لقد كان الإعلام هو شريان الحياة لداعش، والوقود الذي يغذي آلته العسكرية والتجنيدية، والمصدر الرئيسي لتأثيره العالمي. وبالتالي، فإن تراجع هذا الإعلام وتفككه يمثل ضربة قاصمة لجوهر وجوده، ربما تفوق في تأثيرها خسارة الأراضي.

  1. تأثير خسارة الأراضي على الإنتاج الإعلامي

كانت هناك علاقة عضوية بين سيطرة داعش على الأراضي وقدرته على إنتاج إعلام مؤثر وعالي الجودة. لم تكن الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وسوريا مجرد مسرح للعمليات العسكرية، بل كانت أيضا استوديوهات ضخمة لإنتاج المواد الإعلامية. أدت خسارة هذه الأراضي إلى تداعيات وخيمة على الإنتاج الإعلامي للتنظيم، أهمها:

1فقدان الموارد البشرية والتقنية: مع خسارة المدن الكبرى مثل الموصل والرقة، فقد داعش الوصول إلى الكوادر الإعلامية المدربة، من مصورين وفنيين ومحررين، الذين كانوا يعملون في “المكاتب الإعلامية” التابعة للتنظيم. كما فقد التنظيم المعدات والتقنيات المتطورة التي كان يستخدمها في إنتاج مواده الإعلامية. أدى ذلك إلى تراجع كبير في جودة الإنتاج، حيث أصبحت مواده الإعلامية تبدو بدائية وتفتقر إلى الاحترافية التي ميزتها سابقا.

2تراجع الكم والنوع: شهد الإنتاج الإعلامي لداعش تراجعا حادا في الكم والنوع بعد خسارة الأراضي. فبعد أن كان التنظيم ينتج الاف المواد الإعلامية شهريا في ذروة قوته، أصبح إنتاجه نادرا ومتقطعا. كما تراجعت جودة المواد المنتجة بشكل ملحوظ.

  1. تآكل الجاذبية وفقدان السردية

كانت قوة إعلام داعش تكمن في قدرته على تقديم سردية “الخلافة المتمددة” و”الدولة القوية”. ومع خسارة الأراضي، تآكلت هذه السردية بشكل كبير:

تغير الخطاب: اضطر التنظيم إلى تغيير خطابه من “التمدد والتمكين” إلى “الصمود والمظلومية”، وهو خطاب لا يمتلك نفس الجاذبية التي كان يتمتع بها خطاب القوة والانتصار. هذا التحول أضعف من قدرته على استقطاب المقاتلين الجدد، الذين كانوا ينجذبون إلى صورة “الدولة” المنتصرة

فقدان المصداقية: كانت المواد الإعلامية لداعش تُستخدم كدليل على وجود “الدولة” وقوتها. ومع تراجع هذه المواد في الجودة والكم، وفشل التنظيم في توفير “أخبار” عن “دولته”، فقد إعلامه الكثير من مصداقيته وقدرته على الإقناع.

 

الخلاصة: إن خسارة الآلة الإعلامية لداعش هي في جوهرها خسارة لـ هوية التنظيم وسرديته المركزية. فبينما يمكن تعويض الخسائر العسكرية وإعادة تجميع المقاتلين، فإن استعادة السردية القوية والجاذبية العالمية التي وفرها الإعلام الاحترافي هي مهمة شبه مستحيلة في ظل غياب “الدولة” على الأرض. لقد كان الإعلام هو الذي منح داعش تفرده وتأثيره، وخسارته تعني خسارة جوهر القوة التي اعتمد عليها التنظيم.

 

إرسال التعليق