آخر الأخبار

تحولات هيئة تحرير الشام: من الثورة إلى الدولة

تحولات هيئة تحرير الشام: من الثورة إلى الدولة

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

مقدمة

يمثل مسار هيئة تحرير الشام (HTS)، بقيادة أحمد الشرع (المعروف سابقا بأبي محمد الجولاني)، أحد أكثر التحولات إثارة للجدل والاهتمام في تاريخ الحركات الجهادية المعاصرة. فمن تنظيم كان فرعا رسميا للقاعدة في سوريا إلى قوة عسكرية تخلت عن “الجهاد العالمي” لصالح مشروع حكم محلي في إدلب وصولا إلى قيادة تغيير سياسي جذري في دمشق يقدم هذا المسار نموذجا فريدا لدراسة آليات التكيف والبقاء والتحول الأيديولوجي. تطرح هذه الدراسة سؤالا محوريا: هل تحول هيئة تحرير الشام هو انحراف تكتيكي أم مراجعة استراتيجية جذرية تعيد تعريف مستقبل السلفية الجهادية؟

أولا: المراحل المفصلية للتحول

يمكن تقسيم مسار الهيئة إلى ثلاث مراحل رئيسية تعكس كل منها تغيرا في العقيدة والاستراتيجية:

  1. جبهة النصرة (2012-2016): الولاء للقاعدة والجهاد الشامي: في هذه المرحلة، كانت الجبهة تمثل الامتداد الرسمي لتنظيم القاعدة، بهدف إسقاط نظام الأسد وإقامة حكم إسلامي. تميزت هذه الفترة بالولاء المعلن لأيمن الظواهري، والتركيز على العمل العسكري والتوسع في الأراضي السورية.

  2. جبهة فتح الشام (2016-2017): فك الارتباط التكتيكي: في خطوة مفاجئة أعلن الجولاني فك الارتباط التنظيمي مع القاعدة. كان الهدف من هذه الخطوة التي وصفت بالبراغماتية هو إزالة الذرائع الدولية لاستهداف الفصيل والسعي نحو قبول محلي أوسع عبر تقديم التنظيم كقوة سورية وطنية.

  3. هيئة تحرير الشام (2017-حتى قيام الدولة): مشروع الدولة المحلية: شكل تأسيس الهيئة عبر دمج فصائل أخرى بداية التحول نحو الحكم المحلي. تخلت الهيئة تدريجياعن الخطاب السلفي الجهادي الصارم لصالح خطاب “سني محافظ” أكثر عمومية. وركزت على بناء مؤسسات حكم الأمر الواقع كما وقع في إدلب مثل “حكومة الإنقاذ” التي تولت إدارة الخدمات والقضاء والأمن والاقتصاد. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الاسم، بل إعادة توجيه للهدف الأساسي: من الثورة إلى بناء الدولة.

ثانيًا: دوافع التحول: بين البراغماتية السياسية والضغط المجتمعي

يمكن تفسير هذا التحول العميق من خلال عاملين متكاملين:

  • غريزة البقاء: أدرك الجولاني أن الاستمرار في نموذج “الحرب الدائمة” الذي تبناه تنظيم “داعش” سيؤدي حتمًا إلى فناء فصيله. لذلك، اختار مسارا براغماتيا يقوم على التكيف مع الواقع الدولي والإقليمي، والانتقال من المواجهة المفتوحة إلى التفاوض غير المباشر والتنسيق، خاصة مع تركيا. هذا التوجه سمح له بالحفاظ على كيانه وتوسيعه.

  • البحث عن الشرعية الاجتماعية: بدلا من الشرعية المستمدة من “الجهاد العالمي”، سعى الجولاني إلى بناء شرعية متجذرة في المجتمع المحلي بإدلب. يرى باحثون مثل باتريك هيني وجيروم دريفون أن ضغط المجتمع المحلي وتفاعله مع الهيئة كان له دور محوري في “نزع الطابع السلفي” عنها وإجبارها على تقديم تنازلات أيديولوجية مقابل الاستقرار والقبول. هذا ما يطلقان عليه التحول بفعل الشعب

ثالثًا: الجدل الجهادي: خيانة أم سياسة شرعية؟

أثار المسار الذي سلكه أحمد الشرع الجولاني وهيئة تحرير الشام زلزالا أيديولوجيا داخل التيار السلفي الجهادي، وفجر انقساما عموديا يتجاوز الخلافات التكتيكية إلى صميم العقيدة والمنهج. يمكن تفصيل هذا الجدل من خلال استعراض حجج طرفي النزاع: المعارضين والمؤيدين.

 1جبهة المعارضين: خيانة المنهج وتصفية القضية

يمثل هذا التيار الذي يتزعمه منظرون تاريخيون وفصائل انشقت عن الهيئة. بالنسبة لهم يمثل الجولاني نموذجا لـ “الانحراف المنهجي” الذي لا يمكن السكوت عنه. وتقوم اتهاماتهم على عدة ركائز أساسية:

أ. التخلي عن الجهاد العالمي الأممية الجهادية:

يرون أن الجولاني حصر القضية في حدود الوطنية السورية متخليا عن مبدأ قتال العدو البعيد (الولايات المتحدة والغرب) ونصرة المسلمين في كل مكان. هذا يعتبرونه ردة عن أصل من أصول الجهاد المعاصر الذي أسس له عبد الله عزام وأسامة بن لادن.

استبدال خطاب إقامة الخلافة بخطاب إدارة المناطق المحررة والتركيز على الشأن المحلي السوري وتصريحات الجولاني نفسه التي أكد فيها أن سوريا ليست منطلق الجهاد خارجي.

ب. العمالة والتنسيق مع الأعداء:

الاتهام الأخطر هو التنسيق الأمني والعسكري مع تركيا (العضو في حلف الناتو) والتواصل مع جهات استخباراتية غربية. من منظور القاعدة هذا لا يعتبر مجرد “تكتيك” بل هو موالاة للكفار ضد المسلمين وهو فعل يخرج من الملة في أدبياتهم.

الدور التركي في إدلب وإنشاء نقاط المراقبة وتصريحات الجولاني لوسائل إعلام غربية مثل “PBS Frontline” والتي اعتبرها خصومه مقابلات تطبيع مع العدو.

ج. عدم تطبيق الشريعة بشكل كامل:

يتهم المعارضون الجولاني بالتساهل في تطبيق الحدود الشرعية والسماح بوجود “المنكرات” (مثل عدم فرض النقاب بشكل كامل في بعض المناطق)، وإدارة المناطق المحررة بقوانين وضعية تحت مسمى “الإدارة المدنية” بدلا من الحكم بالشريعة الصافية.

اعتماد “حكومة الإنقاذ” على هياكل إدارية حديثة (وزارات، مجالس محلية) بدلا من نموذج “الدولة الإسلامية” الذي طبقه داعش، والذي يعتبرونه التطبيق الصحيح للشريعة رغم تحفظاتهم على داعش.

د محاربة المجاهدين الصادقين:

قيام هيئة تحرير الشام باعتقال وتصفية قادة وعناصر الفصائل الجهادية التي رفضت مشروعها، وعلى رأسهم تنظيم حراس الدين (فرع القاعدة الرسمي الجديد في سوريا) وشخصيات جهادية مستقلة. يعتبرون هذا قتالا للمسلمين وبغيا يخدم أجندات خارجية.

خصوصا الحملات الأمنية المتكررة التي شنتها الهيئة ضد معاقل حراس الدين والجهاديين الأجانب مما أدى إلى مقتل واعتقال المئات منهم.

بالنسبة لهذا التيار فإن الجولاني لم يقم بمراجعة بل قام بـ انقلاب كامل على المبادئ التي بعث من أجلها إلى سوريا ووصفوه بأوصاف قاسية مثل الخائن والمرتد وحصان طروادة لتصفية الجهاد الشامي.

2 جبهة المؤيدين: فقه الواقع والسياسة الشرعية

هذا التيار أقل تنظيما وصوتا وغالبا ما يعبر عن نفسه من خلال كتابات غير رسمية أو تبريرات ضمنية من شخصيات داخل الهيئة أو متعاطفين معها. حجتهم لا تقوم على نفي التغييرات بل على تأصيلها شرعياوسياسيا كضرورة للمرحلة.

أ. التحول كـ سياسة شرعية وفقه الموازنات:

يستندون إلى مبادئ فقهية مثل السياسة الشرعية وفقه الموازنات وارتكاب أخف الضررين”. يجادلون بأن الحفاظ على “بيضة الإسلام” في إدلب (المناطق المحررة) وحماية أرواح أهلها يتطلب مرونة سياسية، حتى لو أدى ذلك إلى تنازلات مؤقتة.

يطرحون سؤالا عمليا: ما هو البديل؟ هل هو الفناء تحت القصف الدولي والروسي كما حدث لداعش، أم التكيف الذكي للحفاظ على المشروع؟ يعتبرون أن صمود إدلب لسنوات هو دليل على نجاح هذا النهج.

ب. مبدأ التدرج في تطبيق الشريعة:

يرون أن تطبيق الشريعة لا يمكن أن يتم دفعة واحدة في مجتمع أنهكته الحرب ومعقد الولاءات. يستشهدون بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة حيث تدرج في تطبيق الأحكام. يعتبرون أن بناء المؤسسات وتقديم الخدمات وكسب الحاضنة الشعبية هو مقدمة ضرورية لتطبيق الشريعة بشكل كامل لاحقا.

وامثلة ذلك تركيز الدولة على الأمن والخبز والعدل كأولويات، معتبرين أن هذا هو الدين في هذه المرحلة وأن فرض الحدود على مجتمع جائع وغير آمن هو تشويه للشريعة نفسها.

ج. التعامل مع القوى الدولية كـ ضرورة مرحلية:

يفسرون العلاقة مع تركيا والغرب ليس كـ موالاة بل كشكل من أشكال الهدنة أو الاستعانة التي تفرضها ضرورات الواقع لدرء خطر أكبراسرائيل امريكا التحالف. يستشهدون بأحداث تاريخية في السيرة النبوية والفقه الإسلامي تجيز مثل هذه العلاقات تكتيكيا

ويؤكدون أن هذا التنسيق لم يتضمن قتالا في صف تركيا ضد فصائل مسلمة أخرى خارج إطار الخصوم المباشرين بل يقتصر على حماية المنطقة من الإبادة.

هذا الانقسام ليس مجرد خلاف سياسي بل هو صدام بين رؤيتين للسلفية الجهادية:

1رؤية مثالية-عقائدية (خصوم الجولاني): تصر على نقاء المنهج ورفض أي تنازل حتى لو أدى ذلك إلى الهزيمة العسكرية. بالنسبة لهم الغاية لا تبرر الوسيلة والثبات على المبدأ هو النصر الحقيقي.

2 رؤية واقعية-براغماتية (تيار الجولاني): تعطي الأولوية للبقاء والاستدامة وبناء نموذج حكم قابل للحياة. بالنسبة لهم ما لا يدرك كله لا يترك جله والتكيف مع الواقع هو عين الحكمة والسياسة الشرعية.

في النها يةهذا الجدل يعكس أزمة أعمق حول نموذج الدولة الإسلامية العابر للحدود في القرن الحادي والعشرين. لقد أثبت الجولاني أنه يمكن لحركة جهادية أن تتحول إلى لاعب سياسي محلي لكن الثمن كان التضحية بالأيديولوجيا الأممية التي ولدت منها.

 رابعا بين التجديد الواقعي والذوبان البراغماتي

تعيش السلفية الجهادية منذ لحظة اندلاع الربيع العربي واحدة من أعقد أزماتها التاريخية. فقد جاء الحراك الثوري السلمي ليضع المشروع الجهادي برمته في موقف دفاعي بعد أن كان يطرح نفسه بديللا أعلى لواقع الاستبداد العربي. وفي هذا السياق المضطرب برز اسم أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) بوصفه أحد أكثر القيادات الجهادية تمردا على القوالب الأيديولوجية الموروثة وباعتباره مهندس تحول عميق يضرب في صميم العقيدة القتالية التي حملها منذ انطلاقة جبهة النصرة.

من الحرب الدائمة إلى الدولة الممكنة

دخل الجولاني المشهد السوري من خلال ذراع لتنظيم القاعدة يتبنى أدبياتها الكلاسيكية التي تقوم على حرب استنزاف طويلة وبناء شرعية دينية. لكن تعقد الصراع السوري وضغط الفاعلين الدوليين والإقليميين ووعي الجولاني باستحالة الاستمرار في مواجهة الجميع داخل نفس الخندق، دفعه نحو تغيير المسار جذريا.

تمثلت هذه التحولات في خطوات استراتيجية واضحة:

1.فك الارتباط عن القاعدة وإعلان هيئة تحرير الشام ككيان محلي.

2.الانتقال من منطق الثورة الجهادية إلى منطق الدولة وإدارة مؤسسات مدنية وأمنية.

3.محاولة انتزاع اعتراف دولي غير معلن عبر خطاب براغماتي جديد يطغى عليه الطابع السياسي.

هكذا تحول السلاح، الذي كان في العقيدة الجهادية قيمة مقصودة لذاتها، إلى مجرد أداة لحماية مشروع سياسي قيد التشكل، مما يعكس انقلابافي الأولويات من العقيدة إلى الواقعية السياسية.

أزمة الهوية: تجديد أم انحراف؟

أطلق هذا التحول جدلا حادا داخل دوائر السلفية الجهادية، مما كشف عن انقسام عميق في تقييم هذه البراغماتية:

إن تقييم تحولات الجولاني لا ينفصل عن الخلفيات الفكرية والسياسية لمن يصدرونه. فهو بين من يراه خائنا للمنهج، ومن يصفه بأنه أذكى من استوعب دروس الفوضى الجهادية ومن يتعامل معه باعتباره سلطة أمر واقع تتقدم باسم الدين وتدير المشهد بقبضة حديدية.
وبين هذه المقاربات الثلاث، يبقى الجولاني نموذجا صريحا لصراع الهويات داخل السلفية الجهادية ولحدود التقاء الواقعية السياسية مع مشاريع التغيير المسلح.

ما بين هذا وذاك، تقف هيئة تحرير الشام معلقة بين سرديتين متناقضتين: سردية الجهاد العالمي الذي أسسها وسردية الدولة الوطنية التي تسعى إليها اليوم. هذه الازدواجية تمثل جوهر أزمة الهوية التي تعيشها الحركة.

الدولة الوليدة: بين دمشق وواشنطن

يحاول الجولاني رفع راية المعقولية السياسية مقدما نفسه لاعبا لا يمكن تجاهله في مستقبل سوريا. ولتحقيق ذلك يعزز نموذج حكم محلي منضبط في إدلب وينخرط في خطاب موجه للغرب ينفي التوجهات العابرة للحدود ويسعى إلى تصفية الخصوم الجهاديين لطمأنة المجتمع الدولي. إلا أن هذه المقاربة التصالحية تضعه في مواجهة موروثه العقدي وتتطلب تنازلات مستمرة قد تفقده شرعية قاعدته الصلبة التي تتغذى على الأيديولوجيا الجهادية التقليدية.

سؤال المستقبل: البقاء أم الذوبان؟

تفتح تجربة الجولاني الباب أمام أسئلة استراتيجية تتجاوز حدود الحالة السورية: هل ستنجح الشرعية الواقعية ما فشلت فيه الشرعية العقائدية؟ وهل يمكن للسلفية الجهادية التكيّف دون أن تفقد جوهرها؟ أم أن براغماتية البقاء ستنتهي إلى ذوبان الهوية داخل النظام الإقليمي الذي طالما عارضته؟

إن مشروع الجولاني مرهون بـ موازنة مستحيلة: أن يكون جهاديابما يكفي لضبط قاعدته وسياسيا بما يكفي لانتزاع الاعتراف الدولي.

هل يمكن لجماعة جهادية أن تدخل عالم السياسة دون أن تفقد روحها؟

يطرح السؤال الأبدي حول إمكانية توفيق جماعة ذات أيديولوجيا جهادية صلبة مع متطلبات البراغماتية السياسية المرنة تحديا عميقا في فهم تحولات الحركات الإسلامية المسلحة. إن دخول عالم السياسة بآلياته الديمقراطية وتنازلاته التكتيكية يضع هذه الجماعات أمام تكلفة أيديولوجية حتمية. فهل يؤدي هذا الانتقال إلى فقدان الروح الجهادية أم أنه مجرد تكييف ذكي للجوهر وتأجيل للأهداف الاستراتيجية؟

إن الجوهر الجهادي كما تبلور في أدبيات السلفية الجهادية يقوم على مبدأ الحاكمية المطلقة لله ورفض الديمقراطية كنظام كفر واعتبار (الجهاد) هو الطريق الوحيد لإقامة الدولة الإسلامية أو الخلافة. عندما تقرر جماعة كهذه التحول من الرصاصة إلى صندوق الاقتراع فإنها تتخلى عن جزء من هذا الجوهر لصالح مكاسب مرحلية..

الإطار النظري: التكلفة الأيديولوجية للانتقال

يعرف الانتقال السياسي للمنظمات المسلحة بأنه تحول من استخدام العنف كوسيلة أساسية لتحقيق الأهداف إلى استخدام الأدوات السياسية السلمية. بالنسبة للجماعات الجهادية يمثل هذا التحول معضلة وجودية. فبينما يمكن للجماعات القومية أو اليسارية المسلحة أن تجد أرضية مشتركة في إطار الدولة القومية، فإن الجماعات الجهادية تسعى إلى تغيير طبيعة الدولة نفسها.

تتمثل التكلفة الأيديولوجية الرئيسية في القبول بآليات النظام السياسي القائم بما في ذلك:

1.الاعتراف بشرعية النظام: المشاركة في الانتخابات تعني الاعتراف بالدستور والقوانين التي قد لا تتوافق مع الرؤية الشمولية للجماعة.

2.التنازل عن الأهداف المطلقة: استبدال الهدف الأقصى الخلافة العالمية بأهداف مرحلية ومحلية (الخدمات، المقاومة المحدودة).

3.المرونة التكتيكية: التحالف مع قوى علمانية أو طائفية أخرى وهو ما يتعارض مع مبدأ الولاء والبراءالأيديولوجي.

ومع ذلك تشير دراسات الحالة إلى أن هذا التنازل غالباً ما يكون تكتيكيا وليس استراتيجيا. فالجماعة تسعى إلى “تسييس العنف” وتحويله إلى ورقة ضغط، مع الاحتفاظ بـ”الروح” الجهادية كـهدف مؤجل وقدرة عسكرية كامنة.

دراسات حالة: براغماتية البقاء وتكييف الجوهر

يمكن تحليل هذه الظاهرة من خلال دراسة نماذج بارزة نجحت في دمج العمل المسلح بالعمل السياسي مع تباين في درجة التنازل الأيديولوجي:

شهدت الحركات الإسلامية المقاومة في العقود الأخيرة انتقالات استراتيجية عميقة فرضتها تحولات البيئة الإقليمية والدولية. فقد انتقلت من منطق الصدام الشامل مع الدولة والخصوم إلى منطق إدارة الواقع والتكيف معه دون التفريط في جوهر مشروعها العقائدي. وتبرز تجارب ثلاث حركات كبرى مثالا واضحاعلى هذا المسار: حركة حماس في فلسطين حزب الله في لبنان وهيئة تحرير الشام في سوريا. ورغم اختلاف البيئات والسياقات فإن خيطا ناظما يجمعها: تقديم تنازلات تكتيكية تتيح لها البقاء والتمدد، مقابل تشبث صارم بالروح المؤسسة لهويتها السياسية والأيديولوجية.

تواجه حماس معضلة الجمع بين المقاومة المسلحة وإدارة المجتمع بعد مشاركتها في انتخابات 2006 وتوليها حكم قطاع غزة. قبلت الحركة برنامجا وطنيا مرحليا مرتكزا على حدود 1967 كما ورد لاحقا في وثيقة 2017 وانخرطت في العمل الإداري الذي لم يكن جزءا من مشروعها الأصلي. هذه التنازلات حملت تكلفة رمزية أمام جمهورها المقاوم لكنها حافظت في المقابل على جناحها العسكري كتائب القسام وعلى المقاومة المسلحة كخيار استراتيجي لا يمكن المساس به، مع إصرارها على عدم الاعتراف بالكيان الإسرائيلي. وهكذا حافظت الحركة على جوهر خطابها المتمحور حول التحرير وإن تغيّرت أدواتها وواجهاتها السياسية.

أما حزب الله فقد وجد نفسه أمام واقع لبناني مركب يفرض المشاركة في مؤسسات الدولة الطائفية. دخل الحزب البرلمان والحكومات المتعاقبة، وتحالف مع قوى غير إسلامية، وقبل بإدارة الدولة كجزء من معادلة الحكم. غير أن هذا الاندماج لم يُذِب خصوصيته العقائدية، إذ احتفظ بولائه لولاية الفقيه وبقراره العسكري المستقل، مستمرا في تقديم نفسه باعتباره رأس حربة “المقاومة”. لقد نجح الحزب في تحويل نفوذه العسكري إلى سلطة سياسية واقعية دون أن يسمح للمنظومة بتذويب هويته المقاومة.

وتتبلور التجربة الأحدث في هيئة تحرير الشام التي انطلقت كفرع للقاعدة تحت اسم جبهة النصرة قبل أن تتجه نحو مشروع حكم محلي في إدلب عبر حكومة الإنقاذ. قامت الهيئة بفك ارتباط شكلي عن القاعدة وقدمت خطابًا أكثر مرونة، وسعت لفتح قنوات مع قوى إقليمية سعياً لشرعنة وجودها. لكن هذا التحول جاء مقترنا بإحكام السيطرة الأمنية وقمع كل منافس أيديولوجي مع الإبقاء على مشروعها الإسلامي بوصفه الهدف النهائي الذي يبرر استخدام القوة. بهذا وجدت الهيئة في البراغماتية وسيلة للبقاء لا تناقض في نظرها صرامة الهدف الشرعي.

تؤكد هذه النماذج أن الانتقال من المقاومة إلى المشاركة السياسية —أو من الثورة إلى الدولة— ليس مسارا خطيا نحو الاعتدال كما قد يفترض، بل هو عملية مركبة تجمع بين الانحناء للعاصفة والتشبث بالجذر العقائدي. فالتنازلات التكتيكية تقدم فقط بقدر ما تضمن استمرارية المشروع الأكبر وتضبط بدقة حتى لا تتحول إلى تغيير في الهوية. وما يجمع هذه الحركات هو إدراكها أن شرعيتها لا تستمد فقط من قدرتها على العيش داخل النظام بل من استمرار تمثيلها لفكرة مقاومة أو قضية كبرى. وهكذا يصبح التكيف أداة للبقاء بينما يبقى الجوهر المقاوم هو مصدر القوة والهوية الذي لا يمس.

تحليل مقياس “فقدان الروح”

إن “الروح” الجهادية تتكون من عنصرين أساسيين: الهدف الأيديولوجي الأقصى والوسيلة العسكرية.

1.الهدف الأيديولوجي (الغاية): لم تتخل أي من هذه الجماعات عن هدفها النهائي المعلن، سواء كان تحرير فلسطين بالكامل (حماس)، أو إقامة دولة المقاومة (حزب الله)، أو تطبيق الشريعة الشاملة (هيئة تحرير الشام). ما حدث هو تأجيل لهذا الهدف أو تجزئته إلى مراحل يمكن تحقيقها عبر الأدوات السياسية. هذا ما يسميه البعض البراغماتية الجامدة حيث تكون المرونة تكتيكية لخدمة التشدد الأيديولوجي.

2.الوسيلة العسكرية (الأداة): لم تتخل هذه الجماعات عن الجهاد كأداة بل قامت بـتسييسه. فبدلا من أن يكون الجهاد أداة ثورية لقلب النظام أصبح أداة سياسية لـ:

فرض الأمر الواقع: كما في حالة حزب الله الذي يحافظ على سلاحه كورقة ضغط داخلية وخارجية.

كسب الشرعية الشعبية: من خلال تقديم نفسه كحامي للمجتمع (حماس وحزب الله).

حماية المكاسب السياسية: استخدام القوة لضمان استمرار السيطرة الإدارية (هيئة تحرير الشام).

تفقد الجماعة صلابتها الأيديولوجية المطلقة وتكتسب مرونة تكتيكية، لكنها تحافظ على الجوهر الاستراتيجي المتمثل في الأهداف النهائية والقدرة العسكرية المستقلة. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه هذه الجماعات ليس في فقدان الروح بل في تآكلها التدريجي على المدى الطويل، حيث قد تؤدي متطلبات الحكم والإدارة والتحالفات إلى إبعاد الجيل الجديد عن الأيديولوجيا الثورية الأصلية، وهو ما يظل تفكيرا مستقبلياامفتوحا للنقاش.

خلاصة

إن تجربة هيئة تحرير الشاموالتي انتقلت الى منطق الدولة ليست مجرد مناورة ظرفيةبل تعبير عن تحول بنيوي في السلفية الجهادية التي انتقلت من مشروع عالمي مؤجل إلى مشروع سلطوي محلي لا يتحمل الانتظار. وبين التجديد الواقعي والذوبان البراغماتي تظل هذه التجربة اختبارا حيا لما إذا كانت الجهادية قادرة على التحول إلى فاعل دولة دون أن تفقد شرعيتها في عيون حواضنها الفكرية. السنوات القادمة وحدها ستكشف ما إذا كان الجولاني مهندس مرحلة جديدة في تاريخ الجهادية أم آخر من يغادر سفينتها قبل أن تغرق.

إرسال التعليق