في زمن الرداءة السياسية السائدة، أصبح من السياسة ترك السياسة. ليست هذه مفارقة لغوية ولا دعوة إلى اللامبالاة، بل توصيف دقيق لحالة عامة بلغ فيها العمل السياسي حدا من الابتذال أفقده معناه، وحول المشاركة فيه عند كثيرين إلى تواطؤ غير مباشر مع العبث القائم.
لم تعد السياسة، في كثير من السياقات، مجالا لإدارة الاختلاف أو خدمة الصالح العام، بل صارت مسرحا للصراخ، وتبادل الاتهامات، وتسويق الشعارات الفارغة. فقد اختزلت القضايا الكبرى في عناوين مستهلكة، وغابت البرامج لصالح الأشخاص، وتقدم الولاء على الكفاءة، والضجيج على التفكير. في هذا المناخ، لم يعد العزوف عن السياسة دليل سلبية بالضرورة، بل قد يكون تعبيرا عن وعيٍ نقدي يرفض الانخراط في لعبة بلا قواعد أخلاقية.
إن أخطر ما في الرداءة السياسية ليس فسادها المباشر، بل قدرتها على إنهاك المجتمع أخلاقيا وفكريا، لأنها تقنع الناس بأن كل شيء عبثي، وأن لا فرق بين بديل وآخر، فتقتل الأمل، وتحول المواطن إلى متفرج ساخر أو منسحب، حيث مع تكرار الخيبات، يصبح الانسحاب خيارا دفاعيا، لا هروبا من الشأن العام، بل حماية للمعنى من الاستهلاك.
لكن ترك السياسة هنا لا يعني التخلي عن القضايا العامة، بل إعادة تعريف العلاقة معها. هو رفض للسياسة كما تمارَس، لا للسياسة كما ينبغي أن تكون. هو امتناع عن المشاركة في زيف منظم، وانتظار – أو إعداد – شروط ممارسة أنظف، شروط تعيد الاعتبار للعقل، وللنقاش الجاد، وللأخلاق بوصفها جوهر الفعل السياسي لا زينته.
المفارقة أن هذا الانسحاب ذاته قد يتحول إلى موقف سياسي ضاغط، حين يصبح واسعا وواعيا. فالنظم الرديئة تعيش على المشاركة الشكلية، وعلى إعطاء الانطباع بوجود حياة سياسية طبيعية. أما حين يعزف الناس، ويعلنون فقدان الثقة، فإنهم يسحبون الشرعية المعنوية، حتى وإن بقيت الشرعية الشكلية قائمة.
مع ذلك، لا يمكن أن يكون ترك السياسة حلا دائما. فالفراغ لا يبقى فارغا، والرداءة إن لم تواجه تتجذر. لكن المواجهة لا تكون دائما عبر المنابر نفسها التي أفسدت، بل قد تبدأ من إعادة بناء الوعي، ومن العمل الثقافي، ومن النقاشات الصغيرة، ومن استعادة السؤال الأخلاقي، والذي هو لماذا نمارس السياسة أصلا؟
في زمن الرداءة، قد يكون الصمت موقفا، وقد يكون الانسحاب احتجاجا. لكن السياسة، في معناها العميق، لا تموت. هي فقط تنتظر لحظة يعاد فيها الاعتبار للفكرة قبل الكرسي، وللإنسان قبل الشعارات، وللمعنى قبل الضجيج.
إرسال التعليق