فاس تحتفي بالسنة الأمازيغية 2976 والبراعم في صدارة المشهد الثقافي
رصد المغرب / عبدالعالي بريك
احتضنت دار الثقافة بمدينة فاس، اليوم الأربعاء 14 يناير 2026، ابتداءا من الساعة الثالثة بعد الزوال، فعاليات الاحتفال بالسنة الأمازيغية 2976، في نسخته الأولى، والمنظم من طرف منتدى جواهر فاس للشعر والتنمية والتراث، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، والمديرية الجهوية للثقافة فاس–مكناس، في محطة ثقافية كبرى جمعت بين البعد الاحتفالي والعمق التاريخي والنقاش الأكاديمي، وأكدت أن الأمازيغية ليست مجرد طقس احتفالي سنوي، بل ذاكرة حضارية ممتدة في الزمن، ومكونا بنيويا في تشكل الهوية المغربية.
وجاء هذا الاحتفال في سياق وطني ودستوري خاص، يتسم بتعزيز مكانة الأمازيغية لغة وثقافة وهوية، باعتبارها أحد الروافد الأساسية للهوية المغربية المتعددة، حيث سعى المنظمون إلى تحويل مناسبة “إيض يناير” من لحظة رمزية إلى فضاء للتفكير الجماعي في التاريخ والذاكرة والحقوق الثقافية، وأدوار الفاعلين الثقافيين في صون التراث اللامادي ونقله للأجيال الصاعدة.
وتضمن برنامج الحفل فقرات فنية وتراثية غنية ومتنوعة، شملت عروضا بالأزياء الأمازيغية التقليدية، ولوحات غنائية مستوحاة من التراث الأمازيغي بمختلف تعبيراته، إلى جانب قراءات شعرية وزجلية، ومشاهد فنية قدمها براعم المنتدى، في لوحات جسدت التقاء البراءة بالإبداع والطفولة بالذاكرة، وأكدت أن الثقافة الأمازيغية ما تزال حية وقادرة على التجدد.
وقد أشرفت على تقديم فقرات الحفل الأستاذة كوثر حدوش باللغة العربية، فيما تولت الأستاذة رجاء المهين تقديم فقرات أخرى باللغة الأمازيغية، في تقديم ثنائي متناغم عكس غنى التعدد اللغوي المغربي، وجسد عمليا وحدة الهوية في تنوع تعبيراتها.
وفي بعده الإبداعي، عرف الحفل مشاركة متميزة للأستاذة وداد الزهيري، التي أضفت على الأمسية نفسا شعريا وزجليا، أعاد للكلمة دورها الرمزي في حفظ الذاكرة الجماعية ونقل القيم الثقافية والوجدانية.
كما كان للحضور موعد مع الشاعرة سعيدة الخياري، التي تحدثت باللغة الأمازيغية عن الموروث الثقافي الأمازيغي، مستحضرة عمقه التاريخي والرمزي، ومؤكدة أن الشعر الأمازيغي ظل عبر العصور وسيلة للمقاومة الثقافية وحفظ الذاكرة ونقل الحكمة الشعبية.
وإلى جانب الطابع الاحتفالي، شكل البعد الأكاديمي قلب هذا اللقاء الثقافي، من خلال جلسة علمية أدارها الأستاذ نور الدين شكردة، دكتور في القانون العام، الذي تولى تسيير أشغال الجلسة بمنهجية علمية رصينة، رابطا بين المداخلات ومفسحا المجال لتفاعل الحضور.
في هذا السياق، قدم الأستاذ محمد الصديق احموموشي، دكتور وباحث في التاريخ، مداخلة وصفت بالغنية والعميقة، تناول فيها الامتدادات التاريخية للأمازيغ عبر العصور القديمة، متوقفا عند حضورهم في شمال إفريقيا قبل العهد الروماني وخلاله، ومبرزا أن الأمازيغ لم يكونوا عنصرا هامشيا في التاريخ، بل فاعلين أساسيين في تشكل المجال السياسي والثقافي والحضاري.
وأوضح المتدخل أن الحقبة الرومانية تشهد على تفاعل معقد بين الأمازيغ والرومان، حيث احتفظ الأمازيغ بخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية رغم الوجود الروماني، بل وبرزت شخصيات أمازيغية داخل البنية السياسية والعسكرية الرومانية، ما يؤكد عمق الجذور التاريخية للأمازيغية وقدرتها على التفاعل دون الذوبان أو الانمحاء.
وأكد الأستاذ احموموشي أن التقويم الأمازيغي نفسه يشكل شاهدا تاريخيا على هذا الامتداد الحضاري، باعتباره تقويما فلاحيا مرتبطا بالأرض والزمن ودورة الحياة، وهو ما يجعل الاحتفال بالسنة الأمازيغية احتفاء بالإنسان الأمازيغي في علاقته بالطبيعة والتاريخ.
ومن جانبه، تناول الدكتور جواد بلويحة، المتخصص في حقوق الإنسان في الشريعة والقانون، الأمازيغية من زاوية الحقوق الثقافية واللغوية، مؤكدا أن الاعتراف الدستوري بها يشكل مكسبا حقوقيا مهما، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تفعيل هذا الاعتراف على مستوى السياسات العمومية والتعليم والإدارة والإعلام.
وشدد على أن حماية التنوع الثقافي ليست ترفا ثقافيا، بل التزاما حقوقيا وأخلاقيا، يندرج ضمن احترام كرامة الإنسان وهويته.
وكذلك بدوره، قدم الأستاذ نور الدين المصوري، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، قراءة سوسيولوجية للهوية الأمازيغية، مبرزا أن الثقافة تشكل عنصرا حاسما في بناء الانتماء الجماعي، وأن تهميش أي مكوّن ثقافي ينعكس سلبا على التماسك الاجتماعي.
وأما الأستاذ الحسان حجيج، أستاذ التعليم العالي، فقد ركز على دور الجامعة والبحث العلمي في توثيق التراث الأمازيغي، داعيا إلى ربط المعرفة الأكاديمية بالفعل الثقافي الميداني، وجعل البحث العلمي أداة لخدمة الهوية والتنمية الثقافية.
وعلى هامش هذا الحدث، نظم معرض فني تراثي أشرفت على تنسيقه الأستاذة خديجة حيطي، التي تولت أيضا تأطير البراعم المشاركين في تقديم مشاهد فنية أمازيغية متميزة، عكست قدرة الطفل على استيعاب القيم الثقافية والتعبير عنها إبداعيا، في مشاهد جسدت أهمية التنشئة الثقافية المبكرة.
وفي كلمتها، أكدت الأستاذة إكرام بنعيش، رئيسة منتدى جواهر فاس للشعر والتنمية والتراث، أن هذا الاحتفال يندرج ضمن رؤية المنتدى الرامية إلى جعل الثقافة رافعة للتنمية وبناء الوعي، معتبرة أن “إيض يناير” ليس مجرد ذكرى، بل مناسبة لإعادة طرح سؤال الهوية والذاكرة والانتماء.
واختتم هذا العرس الثقافي بتكريم الأستاذ سرار ميمون، اعترافا بعطائه وإسهاماته في خدمة الثقافة والتراث، في لحظة وفاء لرموز العمل الثقافي الجاد، حيث يؤكد الاحتفال بالسنة الأمازيغية 2976 بمدينة فاس أن الأمازيغية ليست ماضيا يستدعى، بل حاضرا يعاش ومستقبلا يبنى، وأن صونها وتثمينها يشكلان ركيزة أساسية لبناء مغرب يعترف بتعدده، ويحمي ذاكرته، ويستثمر ثقافته كقوة حضارية وإنسانية.
إرسال التعليق