آخر الأخبار

قراءة في المادة 39 من القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة بالمغرب

قراءة في المادة 39 من القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة بالمغرب

رصد المغرب / الحبيب محمد مزوار


تعد مهنة المحاماة من الدعائم الأساسية لتحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات، لما تضطلع به من دور محوري في ضمان حق الدفاع وتمكين المتقاضين من الولوج إلى القضاء في إطار من المساواة والإنصاف. وانطلاقا من هذه المكانة، عمل المشرع المغربي على تنظيم هذه المهنة من خلال القانون رقم 28.08، الذي تضمن مجموعة من المقتضيات الرامية إلى تحقيق التوازن بين استقلال مهنة المحاماة ومتطلبات حسن سير مرفق العدالة.

وفي هذا الإطار، تندرج المادة 39 التي تمنع المحامين من التوقف الجماعي الكلي عن تقديم المساعدة الواجبة أمام القضاء نتيجة اتفاق أو تواطؤ فيما بينهم، سواء تعلق الأمر بالجلسات أو الإجراءات، وهو مقتضى يثير نقاشًا فقهيًا وقانونيًا واسعًا حول حدوده ومشروعيته.

إن الغاية التشريعية من المادة 39 تتمثل أساسًا في حماية حق الدفاع باعتباره حقًا دستوريًا، وضمان استمرارية مرفق العدالة ومنع تعطيله بسبب نزاعات مهنية قد تؤثر سلبًا على مصالح المتقاضين، فضلًا عن الحفاظ على الثقة العامة في القضاء. غير أن هذا التوجه، على الرغم من وجاهته من حيث الهدف، يطرح إشكالات عميقة على مستوى التوفيق بين المصلحة العامة وحقوق المحامين المهنية، خاصة في ما يتعلق بحرية التنظيم والاحتجاج المهني.

ذلك أن المادة 39 تشكل قيدًا صارمًا على إمكانية لجوء المحامين إلى التوقف الجماعي كوسيلة للتعبير عن مطالبهم المهنية والدفاع عن مصالحهم المشروعة، وهو ما قد يُفهم منه منع فعلي لأي شكل من أشكال الإضراب المهني، حتى وإن كان سلميًا ومنظمًا ولا يمس جوهر حق الدفاع. ويثير هذا الوضع تساؤلات جدية حول مدى انسجام هذا المقتضى مع المبادئ الدستورية المرتبطة بحرية التعبير والتنظيم، لاسيما وأن هيئات المحامين تُعد مؤسسات مهنية مستقلة يُفترض أن تتمتع بهامش من الحرية في تدبير شؤونها والدفاع عن حقوق أعضائها.

ويزداد الإشكال تعقيدًا بالنظر إلى الغموض الذي يكتنف بعض المفاهيم الواردة في المادة 39، وعلى رأسها مفهوما التواطؤ والتوقف الكلي، إذ لم يحدد المشرع المقصود بهما بدقة، مما يفتح الباب أمام تأويلات واسعة قد تؤدي إلى توسيع نطاق المسؤولية التأديبية للمحامين، بل واستعمال هذه المادة كأداة للضغط أو التضييق على العمل النقابي والمهني. فغياب معايير واضحة للتمييز بين التنسيق المهني المشروع والتواطؤ المحظور، أو بين التوقف الكلي والمقاطعة الجزئية، من شأنه أن يمس بمبدأ الأمن القانوني ويضع المحامين في وضعية قانونية غير مستقرة.

ومن جهة أخرى، يظهر أن المادة 39 تميل إلى تغليب منطق المرفق العام على حساب استقلال مهنة المحاماة، إذ تنظر إلى المحامي أساسًا باعتباره عنصرًا في منظومة العدالة، دون إيلاء العناية الكافية لكونه مهنيًا حرًا له حقوق ومطالب مهنية مشروعة. ولا شك أن الشراكة بين المحامي والقضاء في تحقيق العدالة تقتضي التزامًا أخلاقيًا ومهنيًا، غير أن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى إفراغ استقلال المهنة من مضمونه أو حرمانها من آليات الضغط المشروعة للدفاع عن كرامتها وشروط ممارستها.

كما يُلاحظ أن المشرع، وهو يمنع التوقف الجماعي الكلي، لم يقم في المقابل بإقرار آليات قانونية بديلة وفعالة لتدبير النزاعات المهنية التي قد تنشأ بين المحامين والسلطات العمومية، كإرساء حوار مؤسساتي إلزامي أو آليات وساطة وتحكيم مستقلة، الأمر الذي قد يفضي إلى احتقان مهني دائم ويؤثر سلبًا على علاقة الثقة بين مختلف مكونات منظومة العدالة.

وخلاصة القول، فإن المادة 39 من القانون رقم 28.08، وإن كانت تهدف إلى حماية حسن سير العدالة وضمان حقوق المتقاضين، فإنها تثير إشكالات حقيقية تتعلق بمدى احترامها لاستقلال مهنة المحاماة وحرية التنظيم المهني. ومن ثم، يبدو من الضروري إعادة النظر في صياغتها أو تأويلها بما يحقق توازنًا أدق بين المصلحة العامة المرتبطة باستمرارية مرفق العدالة، وحقوق المحامين في التعبير الجماعي والدفاع عن مطالبهم المهنية المشروعة، في إطار يحفظ كرامة المهنة ويصون حق الدفاع في آن واحد.

إرسال التعليق