آخر الأخبار

ملفات إبستين جعلت السلطة تصطدم بالظلال

ملفات إبستين جعلت السلطة تصطدم بالظلال

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي


أعادت الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، التي أُفرج عن أجزاء منها خلال السنوات الأخيرة، فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث. قضية لم تقتصر على جرائم استغلال جنسي ممنهجة فحسب، بل تحولت إلى مرآة تعكس العلاقة المعقّدة بين المال، السلطة، والنفوذ السياسي.

هذه الملفات التي كشف عنها، تتحدث عن اغتصاب وقتل وتعذيب أطفال وادعاءات وصلت حد أكل لحوم البشر، حيث هناك ثلاثة ملايين صفحة، و180 ألف رحلة، وألف مقطع فيديو نشرتها وزارة العدل الأمريكية تتعلق بجرائم جيفري أبستين، وأكثر من ألف مرة ذكر اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الوثائق الأخيرة، وهي تهم مقززة من اغتصاب ترامب لفتاة قاصرة تبلغ 13 عاما وهوسه بالقاصرات إلى إقامة حفلات مشبوهة والإتجار بالبشر بالتعاون مع أبستين في إحدى منتجعاته.

تتحدث السجلات القضائية والتحقيقات الرسمية عن شبكة علاقات واسعة ربطت إبستين بشخصيات نافذة في عالم السياسة والأعمال، بعضها شغل أو ما زال يشغل مواقع متقدمة في هرم السلطة، حيث تشير الوثائق إلى آلاف الصفحات من الإفادات، وسجلات سفر، ومقاطع مصورة، استخدمت في التحقيقات المتعلقة بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي لقاصرات.

اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورد في هذه الوثائق مرات عديدة، وهو أمر أثار جدلا واسعا في الإعلام والرأي العام. إلا أن ذكر الاسم في الوثائق لا يعني بالضرورة الإدانة القانونية، وهو ما تؤكد عليه القاعدة الأساسية في القضاء الأمريكي، حيث في المقابل، تتداول منصات إعلامية وناشطون ادعاءات خطيرة تتراوح بين علاقات مشبوهة، وحضور مناسبات خاصة، وصولا إلى اتهامات بالضلوع في جرائم جنسية، وهي ادعاءات نفاها ترامب مرارا ولم تصدر بحقها أحكام قضائية.

هذا ليس كل شيء، فممارسات أبستين وزبائنه لم تقف عند هذا الحد بل وصلوا حد تقطيع وأكل لحوم البشر حسب ما ورد في الوثائق، بل هناك شريط فيديو متداول لفتاة تنطق بذلك بشكل هيستيري، حيث ملفات أبستين لم تفضح ممارسة النخب الأمريكية المشبوهة فقط بل أكدت أن إسرائيل سيطرت على ترامب خلال ولايته الأولى، وقام كوشنر بإدارة الرئاسة الفعلية، وما كشف حتى الآن ليس إلا غيضا من فيض، أما الحقيقة الكاملة فربما تبقى محمية بالصمت ونفوذ إلى الأبد.

الأمر ذاته ينطبق على مزاعم أخرى أكثر تطرفا جرى تداولها في الفضاء الرقمي، تتحدث عن ممارسات طقوسية أو جرائم تتجاوز ما هو موثق قانونيا، وهي مزاعم لم تدعم بأدلة قضائية معلنة، وغالبا ما تقع في نطاق نظريات المؤامرة التي تزدهر في البيئات المشحونة بانعدام الثقة بالمؤسسات.

لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن قضية إبستين كشفت ثغرات عميقة في النظام القضائي والأمني الأمريكي، حيث أثارت تساؤلات جدية حول حماية النخب، وحدود المساءلة، ودور النفوذ السياسي والمالي في تعطيل العدالة، وكذلك أعادت النقاش حول الشفافية، وحق الرأي العام في معرفة الحقيقة كاملة، لا مجتزأة أو منقوصة.

وحتى اليوم، ما زالت أسئلة كثيرة بلا إجابات واضحة، وهي من كان على علم؟ ومن تواطأ؟ ومن استفاد من الصمت؟ وبينما تستمر المطالبات بالإفراج الكامل عن الوثائق، يبقى الخوف قائما من أن الحقيقة الكاملة قد تبقى أسيرة النفوذ، أو مدفونة في أرشيف لا يفتح إلا بقدر ما تسمح به موازين القوة.

قضية إبستين لم تعد مجرد ملف جنائي، بل تحولت إلى رمز لعصر تدار فيه السياسة أحيانا من خلف الكواليس، حيث تختلط الجرائم بالحصانة، وتصبح الحقيقة ضحية أخرى.

إرسال التعليق