قضية “بام بوندي” وملفات “إبستين” تحول جلسات الكونغرس إلى مرآة للثقة المفقودة
رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
في لحظة سياسية مشحونة، تحولت جلسة استجواب في الكونغرس الأمريكي إلى مشهد رمزي يعكس عمق الانقسام داخل الولايات المتحدة، ويطرح تساؤلات جدية حول الشفافية والمساءلة، حيث من خلال جلسة خصصت لاستجواب وزيرة العدل الأمريكية “بام بوندي” بشأن تعامل وزارتها مع وثائق “جيفري إبستين”، برزت مواجهة حادة بينها وبين النائبة الديمقراطية “براميلا جايابال”، في مشهد قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود القاعة التشريعية.
القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بوثائق أو إجراءات قانونية، بل بثقة الضحايا والرأي العام في مؤسسة يفترض أن تكون ملاذا للعدالة. فقد اتهمت “جايابال” الوزارة بالتقصير في التواصل مع الناجيات من جرائم “إبستين”، وبتقديم “إصدار غير مقبول” للملفات المرتبطة بالقضية، حيث في خطوة لافتة، طلبت من الناجيات الحاضرات أن يقفن إذا كن مرتاحات، ثم أن يرفعن أيديهن إذا لم يلتقين بمسؤولي وزارة العدل أو لم يتلقين دعما منها. وكان وقوف جميع الناجيات ورفع أيديهن قد شكل لحظة مؤثرة، حملت المشهد بعدا إنسانيا يتجاوز السجال السياسي.
لكن الرد جاء دفاعيا وحادا، حيث رفضت “بوندي” الاعتذار، ووصفت الاستجواب بأنه “مسرحيات” و”مستنقع”، معتبرة أن الاتهامات ذات دوافع سياسية. كما حاولت الدفاع عن سجلها بمقارنته بأداء سلفها، وزير العدل السابق “ميريك غارلاند”، في إشارة إلى أن الانتقادات لا تنفصل عن الاستقطاب الحزبي الذي يطبع الحياة السياسية الأمريكية.
هذه المواجهة تضع إدارة الرئيس “دونالد ترامب” في حال كانت بوندي تمثلها، أمام اختبار جديد في ما يتعلق بالتعامل مع قضايا حساسة تمس العدالة والضحايا، حيث قضية “إبستين”، بما تحمله من أبعاد تتعلق بالسلطة والنفوذ والتواطؤ المحتمل، لا تزال جرحا مفتوحا في الوعي الأمريكي، وأي انطباع بغياب الشفافية أو التقصير في دعم الضحايا قد ينعكس سلبا على صورة الإدارة.
غير أن قراءة المشهد لا تكتمل دون الإشارة إلى الطبيعة السياسية للجلسات الرقابية في الكونغرس، والتي كثيرا ما تتحول إلى ساحات مواجهة إعلامية بين الحزبين، لأن الديمقراطيون يسعون إلى إبراز ما يرونه إخفاقات أخلاقية ومؤسسية، بينما يرد الجمهوريون باتهامات بتسييس القضايا واستغلالها لتحقيق مكاسب انتخابية.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الضحايا يجب أن يكونوا في صلب أي نقاش، حيث بعيدا عن الاتهامات المتبادلة، يكون معيار النجاح لأي وزارة عدل هو قدرتها على توفير الدعم، والاستماع، وتحقيق العدالة بشفافية، لأنه إذا كانت هناك فجوة بين المؤسسة والناجيات، فإن ردمها يتطلب أكثر من دفاع سياسي، يتطلب اعترافا وتواصلا، وإجراءات واضحة تعيد بناء الثقة.
قد تكون هذه الجلسة مجرد فصل جديد في صراع سياسي طويل، لكنها أيضا تذكير بأن العدالة ليست شعارا يرفع في الحملات، بل مسؤولية تختبر في اللحظات الصعبة.
إرسال التعليق