الفضاء السجني وإعادة إنتاج الخطاب الجهادي
الفضاء السجني وإعادة إنتاج الخطاب الجهادي
رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
مقدمة
شكلت تفجيرات 16 ماي 2003 بالدار البيضاء منعطفا حاسما في تاريخ المغرب المعاصر، ليس فقط على المستوى الأمني والسياسي، بل أيضا في طريقة تعامل الدولة مع التيارات الدينية ، وعلى رأسها ما يعرف بـ(السلفية الجهادية). في أعقاب تلك الأحداث، أدت موجة الاعتقالات الواسعة إلى تجميع مئات من المنتمين والمناصرين لهذا التيار داخل مؤسسات سجنية موحدة، مما حول السجن من مجرد فضاء للعقاب إلى مختبر فكري واجتماعي استثنائي. داخل هذا الفضاء المغلق، لم تكن (السلفية الجهادية) كتلة واحدة متجانسة، بل كانت عبارة عن فسيفساء من الأفكار والتنظيمات التي تفاعلت وتصارعت، وأعادت إنتاج نفسها في سياق فريد من نوعه.
تكمن أهمية دراسة هذا الفضاء السجني في كونه يكشف عن الديناميكيات الداخلية للتيار الجهادي، التي غالبا ما تكون محجوبة عن الأنظار في الفضاء العام. فالسجن، بكل ما يفرضه من عزلة وضغط، أتاح فرصة نادرة لرصد التحولات الفكرية، وتصادم المرجعيات، واختبار حدود الغلو والاعتدال داخل المنظومة الجهادية نفسها.
لفهم الظاهرة المدروسة، لا بد من تحديد بعض المفاهيم الأساسية. السلفية الجهادية تيار أيديولوجي يجمع بين المنهج السلفي في فهم النصوص الدينية، والفكر الحركي الذي يتبنى (الجهاد) كوسيلة أساسية للتغيير السياسي والاجتماعي . وقد تطور هذا التيار عالميا ومحليا عبر مسارات معقدة، متأثرا بأحداث كبرى مثل الجهاد الأفغاني وصعود تنظيم القاعدة ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) .
أما السجن، فيتم التعامل معه في هذه الدراسة ليس فقط كمؤسسة عقابية، بل كـ (فضاء لإعادة الإنتاج الأيديولوجي). ففي هذا الحيز المغلق، تتكثف التفاعلات الفكرية وتتشكل هويات جماعية جديدة، وقد يتحول السجن إلى مدرسة للتجنيد والتطرف، أو على العكس، إلى فضاء للمراجعة والتخلي عن العنف. تتناول نظريات التطرف هذه الديناميكيات، مشيرة إلى أن السجون يمكن أن تكون حاضنات للتطرف بسبب عوامل مثل العزلة، والشعور بالظلم، والبحث عن الحماية والانتماء داخل شبكات متطرفة . في المقابل، تسعى برامج مكافحة التطرف إلى عكس هذه العملية عبر التدخل الفكري والنفسي والاجتماعي.
السلفية الجهادية في السجون المغربية: تصنيفات وتفاعلات
تشكل المشهد السلفي الجهادي داخل السجون من تيارات متعددة تتباين في مرجعياتها الفكرية وتمثلاتها للسلوك والموقف من المجتمع والدولة، لكنها تتقاطع جميعا في كون الفضاء السجني يشكل مجالا لإعادة ترتيب المواقع الرمزية وإعادة إنتاج النقاشات الأيديولوجية. في مقدمة هذه التيارات ما يعرف ب(الأفغان المغاربة)، وهم الذين تأثروا بتجربة القتال في أفغانستان وبالمرجعية الفكرية لتنظيم تنظيم القاعدة، ويحملون تصورا أمميا للصراع يتجاوز الحدود الوطنية، ويركز على مواجهة ما يعتبرونه (عدوا بعيدا). ورغم تبنيهم خطابا جهاديا صارما، فإنهم غالبا ما يتجنبون تكفير المجتمعات، ما يمنحهم موقعا وسطا بين التشدد العقدي والانضباط التنظيمي. داخل السجن يتمتعون بمكانة رمزية مرتفعة بحكم خبرتهم القتالية وتجربتهم السابقة، وغالبا ما يمارسون نوعا من القيادة غير المعلنة التي تستند إلى الرصيد المعنوي أكثر من السيطرة العددية.
إلى جانبهم، يبرز التيار الجهادي المحلي الذي يتمحور خطابه حول مفهوم الحاكمية وضرورة مواجهة الدولة في سياقها الوطني، مع تركيز واضح على الواقع السياسي والاجتماعي المغربي. هذا التيار لا يتبنى في الغالب تكفير المجتمع، لكنه يحتفظ بموقف صدامي من مؤسسات الدولة، ويشكل القاعدة العددية الأكبر داخل السجون. نقاشاتهم تنصب أساسا على تقييم التجربة المحلية، وحدود العمل الجهادي، وإمكانات المراجعة أو الاستمرار في النهج السابق، ما يجعلهم الأكثر حضورا في الجدل اليومي داخل الفضاء السجني.
كما تظهر جماعات تعرف بالأمر بالمعروف، ذات خلفية دعوية متشددة تركز على التصور الأخلاقي الصارم والسلوك الفردي المنضبط، مع قابلية للانجذاب نحو أطروحات أكثر غلوا في سياقات معينة. هذه الفئة أقل تنظيما من غيرها، لكنها تملك قدرة تأثير معتبرة، خصوصا في ما يتعلق بضبط السلوك داخل السجن وترسيخ أنماط معينة من التدين المحافظ الذي قد يشكل أرضية لتطورات فكرية لاحقة.
أما التيار التكفيري، الذي يشار إليه أحيانا بـ(المسلمين الجدد)، فيتسم بتوسيع دائرة التكفير لتشمل الأنظمة والمجتمعات وحتى التيارات الجهادية الأخرى، ما يجعله الأكثر تشددا وعزلة. هذه الفئة تمثل أقلية عددية، وتعيش عزلة مضاعفة داخل السجن بسبب صرامة مواقفها ورفضها الانخراط في الترتيبات الجماعية لبقية التيارات، الأمر الذي يحد من تأثيرها المباشر لكنه لا يلغي حضورها الرمزي في النقاشات المرتبطة بحدود التكفير والغلو.
بهذا المعنى، لا يعكس الفضاء السجني كتلة أيديولوجية واحدة، بل خريطة معقدة من التفاعلات والتمايزات، حيث تتحدد المكانة والقيادة والتأثير وفق مزيج من الخبرة السابقة، والرصيد الرمزي، والقدرة على الإقناع، وحجم القاعدة العددية، في ظل صراع دائم بين منطق التنظيم، ومنطق الدعوة، ومنطق الغلو والعزلة.
كانت العلاقة بين هذه التيارات تتراوح بين التضامن النسبي والقطيعة الكاملة. فبينما حافظت التيارات الجهادية التقليدية (الأفغان المغاربة والمحليون) على قدر من التنظيم الداخلي، عاش التكفيريون في عزلة شبه تامة، رافضين للتصورات الجهادية الأخرى التي اعتبروها غير منضبطة بشروط الإيمان الصحيح. هذه القطيعة لم تكن مجرد خلاف فقهي، بل تجسدت في سلوكيات يومية ملموسة، حيث كان التكفيريون يرفضون التعامل مع بقية المعتقلين، بل وكان التكفير المتبادل شائعا داخل مجموعتهم الصغيرة نفسها.
تحولات الخطاب الجهادي داخل السجون
مر الخطاب الجهادي داخل السجون بمرحلتين رئيسيتين:
المرحلة الأولى (2003-2006): تميزت هذه الفترة بنوع من التماسك النسبي بين صفوف الجهاديين التقليديين. أتاح الفضاء المغلق فرصة للنقاش والتدارس الفقهي والفكري، وإعادة ترتيب الأولويات. كان النقاش يتركز حول قضايا الشرعية، وحدود العنف، ومفهوم الإصلاح بالقوة، ولكن ضمن إطار نظري لا يميل إلى الغلو المطلق.
المرحلة الثانية (بعد 2006): بدأت التحولات العالمية تلقي بظلالها على الداخل. فقد أدى بروز تنظيم(التوحيد والجهاد) في العراق بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، وما حمله من خطاب تكفيري أكثر حدة واستهدافا للمخالفين مذهبيا، إلى تسرب هذه الأفكار إلى السجون المغربية. ومع مرور الوقت، بدأ الخط الفاصل بين الجهادية التقليدية والتكفيرية الصلبة يصبح أقل وضوحا، حيث تبنى بعض الشباب أفكارا أكثر غلوا، مما أعاد إنتاج الصراع الفكري الذي كان يحتدم خارج السجون.
امام هذه التحولات الفكرية والتنظيمية داخل الفضاء السجني، برزت ديناميات معقدة أعادت تشكيل العلاقة بين ما يعرف بـ(التيار الجهادي) و(التيار التكفيري). خاصة لما تم الاقتصار المعرفي على أدبيات الدعوة النجدية أسهم الامر في تقارب منهجي بين الجهاديين الجدد والتكفيريين، ترجم لاحقا إلى اندماج حركي (2007) ثم إلى تموضع تنظيمي ضمن مشروع الخلافة الذي أعلنته تنظيم الدولة الإسلامية سنة 2013.
ظل التمايز بين الجهادي والتكفيري قائما / نظريا على حدود ضابطة لمسألة التكفير، وعلى اختلاف في تنزيل الأحكام على الواقع. فبينما تبنى التيار الجهادي خطاب المواجهة السياسية/العسكرية مع الأنظمة، حافظ في أدبياته المركزية على خطاب يظهر تحفظا نسبيا في تعميم التكفير على المجتمعات. في المقابل، اتسم التيار التكفيري بنزوعٍ أوسع إلى التعميم في الحكم على الأعيان والكيانات، مع قابلية أكبر لتوسيع دوائر الردّة والولاء والبراء. غير أن هذا التمايز ظل هشّا، خصوصا حين تراجعت الفوارق المنهجية الدقيقة أمام تداول نصوص عامة في العقيدة والسياسة الشرعية دون تحرير سياقاتها وشروطها.
أدى انحصار القراءة في تراث الدعوة النجدية وتفرعات السلفية المعاصرة إلى تضييق الأفق المعرفي وتغليب خطاب عقدي ذي طبيعة قطعية في قضايا الحاكمية والولاء والبراء. هذا الاقتصار أفضى إلى نتيجتين: تضخيم المشترك العقدي بين التيارين، بما جعل الهامش الفاصل بينهما رقيقا، وإعادة تأويل نصوص الجهاديين من قبل التكفيريين باعتبارها سندا لمقارباتهم الأكثر توسعا في التكفير. وقد نبه أبو مصعب السوري في أواخر التسعينيات إلى خطر تآكل الحاجز الفاصل بين التيارين، محذرا من أن بعض العموميات العقدية والفقهية، إذا لم تقيد بضوابطها، قد تستثمر لتبرير انزياحات تكفيرية تتجاوز ما قرره منظرو التيار الجهادي أنفسهم. وتبرز في هذا السياق كتاباته النقدية التي تناولت (الأخطاء والثغرات) داخل التجربة الجهادية، حيث ميز بين العقيدة السلفية بوصفها إطارا مرجعيا عاما، وبين مناهج السلفية المعاصرة وتنوعاتها وتناقضاتها.
يشكل السجن بيئة خاصة لإعادة إنتاج الأفكار وإعادة تركيب التحالفات. ففي ظل العزلة، والضغط النفسي، وتكاثف النقاشات الداخلية، تتسارع عمليات تبادل النصوص والأدبيات ، وإعادة تأويل الأقوال خارج سياقاتها الأصلية، والاستقطاب الداخلي عبر الاستدلال بمرجعيات مشتركة. في هذه البيئة، طرح الجهاديون الجدد أفكارا على الملأ كانت متداولة سرا لدى التكفيريين. ومع دخول هؤلاء الجهاديين إلى الحقل النقاشي الداخلي بقوة، ينهار الجدار الفاصل بين الطرفين، لا سيما حين استخدمت أقوال منظرين جهاديين (مثل أبو محمد المقدسي) لتدعيم أطروحات الطرفين. وهكذا تحولت نصوص كتبت في سياق جدلي معين إلى أدوات استقطاب داخل السجن.
و يمكن قراءة اندماج 2007 داخل السجن بوصفه اندماجا حركيا نتج عن تقارب معرفي وضغوط بيئية. لكن هذا التقارب لم يظل محصورا في الفضاء السجني؛ بل مثل مؤشرا مبكرا على تحول أوسع في المشهد الخارجي. ومع إعلان «الخلافة» سنة 2013، وجد كثير من المنتمين إلى التيارين إطارا تنظيميا يستوعب هذا التقارب، ويقدم صيغة تتجاوز الحساسيات السابقة بين الجهادي والتكفيري. فالمشروع الجديد قدم نفسه باعتباره تجسيدا جامعا بين الحسم العقدي والحسم الحركي، ما سهل إعادة تموضع قطاعات من التيارين تحت راية واحدة.
خاتمة
لقد كانت السجون المغربية بعد عام 2003 أكثر من مجرد أماكن لاحتجاز أفراد متهمين بالإرهاب؛ لقد كانت فضاءات ديناميكية أعادت تشكيل الخريطة الفكرية للتيار السلفي الجهادي في المغرب. كشفت هذه التجربة عن التعددية الداخلية لهذا التيار، التي تتدرج من التشدد المنضبط نسبيا إلى الغلو التكفيري المنفلت. كما أبرزت أن الأزمة لم تكن فقط بين الدولة وهذه التيارات، بل أيضا داخل هذه التيارات نفسها.
إرسال التعليق