حين تتقاطع الجغرافيا مع إرادة القوة فإن الشرق الأوسط على حافة العاصفة
رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
في لحظات معينة من التاريخ، تتكشف الحقائق التي حاولت السياسة طويلا إخفاءها خلف لغة الدبلوماسية والطمأنينة. ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يبدو أقرب إلى تلك اللحظات الفاصلة، لحظة سقوط الأوهام التي بنتها المنطقة خلال عقود حول الاستقرار والردع والتوازن. لم تعد الأزمة مجرد تبادل رسائل عسكرية أو استعراض قوة. ما يتشكل الآن هو صراع إرادات بين قوى إقليمية ودولية تدرك جميعها أن أي خطوة خاطئة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة لعقود قادمة.
الاقتصاد غالبا ما يسبق السياسة في قراءة الخطر. لذلك لم يكن مفاجئا أن تظهر مؤشرات القلق أولا في حركة رؤوس الأموال. المستثمرون بطبيعتهم لا ينتظرون سقوط الصواريخ كي يقرروا المغادرة، يكفيهم الشعور بأن البيئة الاستراتيجية لم تعد مستقرة. فحين تبدأ رؤوس الأموال في البحث عن ملاذات جديدة، فإن الرسالة تكون واضحة، وهي أن الثقة اهتزت. وهذا الاهتزاز لا يصيب مدينة أو سوقا بعينه، بل ينعكس على صورة المنطقة بأكملها كمركز مالي واستثماري. فالاقتصاد العالمي مترابط إلى حد يجعل أي توتر في الخليج أو شرق المتوسط مسألة لا تخص دول المنطقة وحدها، بل تمتد آثارها إلى الأسواق في آسيا وأوروبا وأمريكا.
منذ نهاية الحرب الباردة، قامت المعادلة الأمنية في الشرق الأوسط على مبدأ الردع غير المتكافئ. فهناك قوة عسكرية أمريكية هائلة في مقابل قوى إقليمية تعتمد على استراتيجيات بديلة مثل الصواريخ الباليستية أو الحروب غير التقليدية. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجيا، لأن التطور التكنولوجي وانتشار القدرات الصاروخية جعل التفوق العسكري التقليدي أقل حسما مما كان عليه في الماضي.
فتحريك حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جرارد فورد” في المنطقة يعكس محاولة لإعادة تثبيت ميزان الردع التقليدي، إلا أن الواقع الجديد يشير إلى أن الردع لم يعد قائما فقط على حجم القوة، بل على القدرة على تحمل كلفة الصراع، لأن لعبة القوى الكبرى تعود إلى الشرق الأوسط.
في خلفية المشهد الإقليمي، تعود المنافسة بين القوى الكبرى لتفرض نفسها بقوة. فالتقارب بين إيران وكل من روسيا والصين لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات العالمية التي يشهدها النظام الدولي. وبالنسبة لواشنطن، فإن أي تموضع استراتيجي لموسكو أو بكين في قلب الشرق الأوسط يمثل تحديا مباشرا لنفوذها التاريخي في المنطقة. أما بالنسبة لروسيا والصين، فإن الشرق الأوسط يشكل ساحة مهمة لإعادة تشكيل التوازن الدولي في مواجهة الهيمنة الغربية. وهكذا تتحول الأزمات المحلية تدريجيا إلى جزء من صراع أوسع بين مراكز القوة العالمية.
ويبقى النفط والغاز العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فمضيق هرمز وحده يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، وأي تهديد لأمن الملاحة فيه كفيل بإحداث صدمة اقتصادية عالمية. لذلك فإن ارتفاع أسعار النفط مع كل موجة توتر ليس مجرد رد فعل في الأسواق، بل انعكاس لخوف عميق من أن تتحول المنطقة إلى بؤرة اضطراب دائم في سوق الطاقة. وإذا حدث ذلك، فإن تداعياته لن تقتصر على الشرق الأوسط، بل ستطال الاقتصاد العالمي بأسره.
داخل الولايات المتحدة نفسها، تتصاعد الأسئلة حول حدود القوة الأمريكية. فبعد عقدين من الحروب الطويلة في الشرق الأوسط، لم يعد الرأي العام متحمسا لخوض مغامرات عسكرية جديدة. لكن في المقابل، تدرك واشنطن أن التراجع الكامل عن المنطقة قد يفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ. وهنا تكمن المعضلة، حيث كيف تحافظ الولايات المتحدة على نفوذها دون أن تنجر إلى حرب استنزاف جديدة؟
هذا السؤال يفسر التردد والتبدل في الخطاب السياسي بين التهديد بالتصعيد والدعوة إلى احتواء الأزمة، فالمنطقة أمام مفترق تاريخي.
الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تنجح القوى الدولية والإقليمية في إعادة ضبط إيقاع الصراع عبر تسويات سياسية وأمنية، أو أن تستمر دوامة التصعيد حتى تصل إلى نقطة يصعب عندها التحكم في مسار الأحداث. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائما بقرار واضح، بل بسلسلة من الحسابات الخاطئة وسوء التقدير.
ولهذا فإن السؤال الأهم اليوم ليس من يمتلك القوة الأكبر، بل من يمتلك القدرة على تجنب اللحظة التي تتحول فيها الأزمة إلى حرب لا يستطيع أحد إيقافها.
في عالم مضطرب، قد تكون الحكمة السياسية هي السلاح الأندر والأكثر أهمية.
Post Comment