عاجل

حين يتحول (التحالف) إلى مجرد آلية لتوزيع الدوائر في مسار لا يبني يسارا حقيقيا.

رصد المغرب/ العلمي الحروني – المنسق الوطني لتيار اليسار الجديد المتجدد عضو المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد 

بعد خمس سنوات فقط من الانفصال الذي هز تجربة “فيدرالية اليسار”، تعود الأطراف نفسها اليوم، عشية استحقاقات 2026، إلى لغة “التحالف”. عودة قد تبدو في ظاهرها تصحيحا لمسار متعثر، لكنها في العمق تطرح أسئلة سياسية وأخلاقية عميقة: هل نحن أمام مراجعة نقدية حقيقية للتجربة السابقة؟ أم أمام إعادة تدوير لأدوات انتخابية بلبوس جديد؟
لقد كان انفصال سنة 2021 لحظة معبرة عن عمق التباين بين مكونات التحالف، سواء في الممارسة السياسية أو في الخطاب أو في تصور العمل المشترك. وقد تجلى ذلك بوضوح في نقطتين أساسيتين:
أولها، الخلاف حول توزيع الدوائر الانتخابية الأكثر ريعا وهو ما يعكس منطق الغنيمة وليس منطق المشروع؛
ثانيها، اشتراط الاندماج القسري في حزب واحد قبيل انتخابات 2021، وكأن الوحدة التنظيمية يمكن أن تفرض بقرار فوقي، دون نضج سياسي وسط القواعد.
اليوم، وبعد مرور خمس سنوات، تعود نفس الأطراف إلى طاولة “التحالف” بنفس المفردات تقريبا: “توزيع الدوائر”. وهي عبارة ليست بريئة، إذ هي مرٱة كاشفة لجوهر المقاربة الانتخابوبة.
لقد اصبحت اللغة السياسية أسيرة لمنطق التوزيع، ما يعني أن الدافع المركزي لا يتعلق ببناء بديل سياسي، وإنما تدبير موقع داخل الخريطة الانتخابية الفاقدة للمصداقية. نحد اذن أمام تحالف انتخابوي تقني، لا علاقة له بالمشروع السياسي المجتمعي.
الأخطر من ذلك، أن هذه العودة تتم دون أي تقييم علني وجدي للتجربة السابقة. لا نقد ذاتي، لا مساءلة للمسؤوليات، ولا حتى توضيح للرأي العام حول ما الذي تغير حتى يصبح ما كان مستحيلا بالأمس ممكنا اليوم. ليس هذا الصمت تفصيلا، فهو يعكس استمرار نفس الثقافة السياسية التي تؤجل الأسئلة الحقيقية وتراكم الأعطاب.
وفي هذا السياق، يبرز إشكال آخر لا يقل خطورة، يتعلق الأمر بالاستحواذ الرمزي والتنظيمي على إرث مشترك. فبعد انقسام 2021، احتفظ طرفان باسم “فيدرالية اليسار” الذي هو في الأصل اسم تحالف، وبـرمزه الانتخابي “الرسالة”. هذا السلوك لا يمكن قراءته إلا كنوع من “القرصنة السياسية”، لأنه يحول ملكا مشتركا إلى رصيد خاص، ويفرغ فكرة التحالف من معناها التشاركي. فالرمز والاسم ليسا مجرد تفاصيل، فهما يحملان ذاكرة نضالية ورأسمالا رمزيا تم بناؤه بشكل جماعي.
فهل سيتم إعادة توظيف هذا الاسم والرمز اليوم في سياق تحالف جديد، أو سيحتفظ كل برمزه الخاص الشمعة والرسالة؟ هنا يطرح سؤال الشرعية والمصداقية، فهل نحن أمام استمرارية فعلية لنفس المشروع، أم أمام استعمال انتقائي لذاكرة جماعية لخدمة حسابات ظرفية وتلبية نزوات/رغبات ذوات نرجسية؟ المستقبل كفيل بالجواب، غير أن الأمر وبالنظر إلى توقيته يبدو وكأنه تمسك غريق بغريق.
ثم إن التناقض الأعمق يكمن في أن الأطراف نفسها التي رفضت الاستمرار في التحالف سابقا بسبب اختلاف الممارسة والخطاب، تعود اليوم دون أن تقدم ما يفيد تجاوز هذه التناقضات. فكيف يمكن لتحالف أن يصمد، إذا كان يقوم على نفس الأرضية والاهداف المتسمة بالهشاشة؟ وهل يمكن لمنطق انتخابي ظرفي أن يعوض غياب رؤية سياسية مشتركة؟
ما يجري اليوم يعيد طرح إشكالية أوسع تتجاوز حالة “فيدرالية اليسار”: أزمة العمل الوحدوي داخل اليسار والذي بدأ لاجتماع وصف ب”السري” للغاية بعيدا عن الرفاق/ات. فبدل أن يكون التحالف أداة لبناء قوة سياسية قاعدية بديلة تستفيد من تجربتها، يتحول إلى تدبير متخلف لن يطول. وبدل أن يكون الاندماج نتيجة لمسار نضالي وتراكم فكري، يطرح كشروط إدارية استعجالية.
إن أي تحالف لا يقوم على وضوح في المشروع السياسي، واحترام متبادل للاستقلالية، وتدبير ديمقراطي للاختلاف، ونزاهة في استعمال الرموز المشتركة، سيظل تحالفا هشا، سرعان ما سيتفكك عند أول اختبار جدي.
لا تكمن المشكلة في العودة إلى التحالف في حد ذاتها، وإنما في كيف ولماذا تتم هذه العودة. فإذا كانت فقط لتوزيع الدوائر، فهي إعادة إنتاج لنفس الأزمة التي أدت إلى الانفصال. أما إذا كانت مدخلا لمراجعة عميقة وصادقة، فذلك يقتضي شجاعة سياسية لا يبدو أن مؤشراتها حاضرة حتى الآن.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى الرهان الحقيقي هو استعادة المعنى والأفق السياسيين المشتركين بعيدا عن مضيعة الزمن السياسي في ترتيب انتخابي مؤقت ” يسمن ويغني من جوع”. انها عودة بلا ذاكرة ولا تقييم.
من زاوية أخرى، إذا كان “التحالف” يختزل فعلا في آلية انتخابية لتوزيع الدوائر، فما الذي يبرر انتقائيته الضيقة؟ ولماذا لا يتسع ليشمل بقية مكونات “العائلة اليسارية” كما حدث في تجارب أخرى؟ لكن المفارقة هنا واضحة بحيث يتم رفض التوسيع بدعوى الحفاظ على “النقاء السياسي”، في حين يتم القبول بتحالف ضيق تحكمه اعتبارات انتخابوية محضة.
فاذا كان ارتأت قيادات هذا “التحالف” وكانت تقديراتها مجرد آلية لتوزيع الدوائر عوض المشروع المجتمعي اليساري، فلم يتم استبعاد أحزاب أخرى تنتمي العائلة اليسارية الواسعة جدا جدا و الانتخابية جدا جدا بالرغم من الاختلافات الجوهرية مثل التقدم والاشتراكية وحتى جبهة القوى ومن على شاكلتهما وذلك لمواجهة عودة تياري التحكم والأصولية كوجهين لنفس العملة الواحدة، كوكلاء محليين للنيوليبرالية العالمية المفترسة، خاصة وأن الانتخابات القادمة تأتي في لحظة تاريخية وسياسية شبيهة بلحظة ” السكتة القلبية” التاي أدت إلى ما يسمى بـ “التناوب التوافقي” المضلل المزيف الفاشل؛ استلهاما لتجربة الجبهة الشعبية الجديدة بفرنسا لتحالف انتخابي يساري فضفاض والذي أعلن عن تشكيله بهدف خوض الانتخابات التشريعية الفرنسية لسنة 2024، وذلك عقب المكاسب التي حققتها الأحزاب اليمينية المتطرفة في انتخابات البرلمان الأوروبي لسنة 2024 في فرنسا؟
في هذه الحالة، فإن استبعاد هذا التحالف لبقية مكونات اليسار ليس تناقضا عرضيا، بل نتيجة منطقية لطبيعته الضيقة. وهو مسار لا يبني يسارا وإنما هو إدارة لأزمته فقط.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *