عاجل

صرخة في مشهد يعكس حجم التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الصناعة التقليدية بالمغرب

رصد المغرب / عبدالعالي بريك


عاد الجدل ليتصاعد من جديد بمدينة فاس، بعد اجتماع طارئ عقده صناع الزليج البلدي بمقر الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، خصص لتدارس تداعيات إدخال المكننة على هذه الحرفة التاريخية التي شكلت لعقود طويلة أحد أعمدة الهوية الثقافية المغربية.

الاجتماع، الذي حضره حرفيون ومقاولون ومصدرون، لم يكن مجرد لقاء عادي، بل تحول إلى منصة للتعبير عن غضب مهني متزايد، في ظل ما وصفوه بـ”الاجتياح غير المنظم للمكننة”، والذي بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على واقع الحرفيين التقليديين، مهددا مصدر عيش مئات الأسر.

ويرى صناع الزليج أن إدخال الآلات في هذا المجال لا يمكن اعتباره تطورا طبيعيا بقدر ما هو تحول جذري يمس جوهر الحرفة. فالزليج البلدي، كما يؤكدون، ليس مجرد منتوج صناعي، بل هو فن قائم على الدقة واللمسة الإنسانية، وعلى مهارات توارثتها الأجيال عبر قرون.

ويحذر المهنيون من أن تعميم المكننة قد يؤدي إلى فقدان “روح الزليج”، وتحويله إلى منتوج نمطي يفتقد للقيمة الفنية والثقافية التي ميزته عالميا، خاصة وأن الزليج الفاسي يعد من أبرز رموز التراث المغربي.

ومن أبرز النقاط التي أثارها المجتمعون، التداعيات الاجتماعية الخطيرة لهذا التحول، حيث أكدوا أن المكننة ساهمت بالفعل في تشريد عدد كبير من الحرفيين، ودفعت بالكثير من الأسر إلى دائرة الهشاشة والبطالة، في ظل غياب بدائل حقيقية أو برامج مواكبة.

كما عبر الحرفيون عن استيائهم مما وصفوه بـ”اللامبالاة” التي تطبع تعامل الجهات الوصية مع هذا الملف، مشيرين إلى أن الوعود التي قدمت سابقا، خاصة من طرف كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما عمق أزمة الثقة بين المهنيين والمؤسسات.

الاجتماع لم يخف أيضا وجود ما يشبه “اختلال التوازن” داخل القطاع، حيث اتهم بعض المتدخلين فاعلين اقتصاديين كبارا باستغلال المكننة لتحقيق أرباح سريعة، على حساب الحرفيين التقليديين الذين لا يملكون نفس الإمكانيات.

ويرى مهنيون أن هذا التحول ساهم في تغيير قواعد المنافسة، وخلق واقع جديد يقصي “النقاشين” وأصحاب المهارات اليدوية، لصالح الإنتاج الكمي السريع، وهو ما قد يؤدي على المدى المتوسط إلى اندثار هذه الحرفة أو تفريغها من مضمونها.

وفي ختام اللقاء، أعلن صناع الزليج عن عزمهم نقل صوتهم إلى العاصمة الرباط، من خلال تنظيم وقفة احتجاجية، للمطالبة بإعادة النظر في سياسة المكننة داخل القطاع، ووضع ضوابط تحمي الحرفة التقليدية وتضمن استمراريتها.

كما دعوا إلى ضرورة فتح حوار جاد ومسؤول بين جميع الأطراف المعنية، من أجل إيجاد توازن بين التطور التكنولوجي والحفاظ على الخصوصية التراثية، بما يضمن كرامة الحرفيين واستدامة هذا الموروث العريق. ليبقى السؤال المطروح اليوم، هو كيف يمكن التوفيق بين متطلبات العصر والحفاظ على روح الحرف التقليدية؟

ففي الوقت الذي لا يمكن فيه تجاهل دور التكنولوجيا في تطوير الإنتاج، يرى كثيرون أن غياب رؤية متوازنة قد يحول هذا التطور إلى عامل هدم بدل أن يكون رافعة للتنمية. وفي انتظار ما ستسفر عنه التحركات المرتقبة، يظل الزليج الفاسي أمام مفترق طرق حاسم، بين الاستمرار كرمز فني أصيل، أو التحول إلى مجرد منتوج صناعي فاقد لهويته.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *