رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
مقدمة
تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران نحو مرحلة أكثر تعقيدا وتداخلا، حيث تتجاوز الحسابات التقليدية للقوة لتشمل أبعادا ميدانية، سياسية داخلية، إقليمية، ودولية. فبعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي روجت له الإدارة الأمريكية بدأت ملامح أزمة استراتيجية تتكشف تدريجيا، مما يضع واشنطن أمام تحديات غير مسبوقة في إدارة صراع مفتوح دون أفق واضح للحسم.
المشهد الميداني: حدود القوة الجوية وتصاعد التعقيد
شكل الإعلان عن إسقاط طائرات أمريكية متطورة، بما في ذلك مقاتلات F-15E وطائرات A-10، نقطة تحول لافتة في مسار المواجهة . هذا التطور، الذي أكدته تقارير متعددة، يثير تساؤلات جدية حول فعالية التفوق الجوي الأمريكي الذي طالما كان ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية للولايات المتحدة. ففي 3 أبريل 2026، تم إسقاط طائرة F-15E Strike Eagle فوق جنوب غرب إيران، تبعها إسقاط طائرة A-10 Warthog بين جزيرتي قشم وهنغام . وقد تطلبت عملية إنقاذ طياري الـ F-15E جهودا ضخمة، مما يعكس بيئة عملياتية أكثر تعقيدا ومخاطرة مما كان متوقعا .
تواصل القوات المشتركة حملتها الجوية، مستهدفة منشآت الصواريخ الإيرانية وقواعد الإنتاج. وشملت الضربات الأخيرة قاعدة صواريخ يزد، ومجمع بارشين العسكري، ومنشات صناعية بحرية مثل منظمة الصناعات البحرية (MIO) وشركة إيران للصناعات البحرية (SADRA) هذه الضربات تهدف إلى تقويض قدرة إيران على إطلاق الصواريخ وإنتاج الأنظمة العسكرية، لكنها لم تحقق بعد اختراقا حاسما ينهي المواجهة.
التحديات السياسية الأمريكية: انقسامات داخلية وتكاليف متصاعدة
يواجه البيت الأبيض تحديات متزايدة داخل الكونغرس، حيث تتصاعد الخلافات بشأن تمويل العمليات العسكرية وتقدير كلفتها. طلب البنتاغون حزمة إنفاق إضافية ضخمة تقدر بـ 200 مليار دولار لتمويل الحرب . ومع ذلك، تتزايد الأصوات المحذرة من الانزلاق نحو استنزاف طويل الأمد، خاصة في ظل غموض المعطيات المتعلقة بالخسائر البشرية والمادية. وقد اقترح بعض الجمهوريين خفض الإنفاق على الرعاية الصحية لتعويض تكاليف الحرب، مما أثار جدلا واسعا .
على صعيد القيادة العسكرية، شهدت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تغييرات كبيرة. فقد أقال وزير الدفاع (بيت هيغسيث) رئيس أركان الجيش الجنرال (راندي جورج) وجنرالات آخرين في ما وصف بـ تطهير عسكري غير مسبوق . هذه التغييرات تعكس حجم الضغط الذي تواجهه المؤسسة العسكرية في إدارة هذا الملف المعقد، وقد تشير إلى عدم الرضا عن الأداء أو الحاجة إلى استراتيجيات جديدة.
أما على مستوى الأهداف، فقد حدد الرئيس دونالد ترامب خمسة أهداف رئيسية للحرب، تشمل تدمير صناعة الصواريخ الإيرانية، والقضاء على البحرية الإيرانية، وتغيير سلوك النظام . وقد هدد ترامب بضرب محطات الطاقة والجسور المدنية الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، مما يشير إلى تصعيد محتمل في حال عدم تحقيق الأهداف العسكرية الحالية .
الاستجابة الإيرانية: تعبئة داخلية ودعم خارجي
تشير المعطيات القادمة من الداخل الإيراني إلى حالة تعبئة لافتة، سواء على المستوى الشعبي أو المؤسساتي. تتحدث طهران عن إقبال واسع على التطوع، في وقت تتولى فيه مؤسسات عسكرية مثل الحرس الثوري إدارة العمليات بوتيرة سريعة، مما يعزز قدرة النظام على التكيف مع تطورات الميدان .
على صعيد الدعم الخارجي، تشير تقارير إلى أن روسيا وإيران أجرتا مناقشات نشطة حول نقل شحنة محدودة من الطائرات المسيرة الروسية (المطورة) إلى إيران . كما تشير التقييمات الاستخباراتية البريطانية إلى أن روسيا قدمت بالفعل تدريبات متعلقة بالمسيرات، ودعما استخباراتيا وحربا إلكترونية لإيران . ومع ذلك، رفضت روسيا تزويد إيران بمنظومات الدفاع الجوي S-400 في الوقت الحالي .
التداعيات الإقليمية والدولية: أزمة طاقة وتوسع جبهات الصراع
تتسع رقعة التوتر لتشمل جبهات أخرى، أبرزها جنوب لبنان، حيث أعلن حزب الله عن تنفيذ عمليات نوعية ضد آليات إسرائيلية، بما في ذلك دبابات (ميركافا). كما دخل الحوثيون على خط المواجهة، حيث نفذوا ضربات صاروخية ومسيرات استهدفت جنوب إسرائيل في أواخر مارس 2026 . هذه التطورات تعكس احتمال انزلاق المواجهة إلى صراع متعدد الجبهات، مما يزيد من تعقيد الحسابات الإقليمية.
اقتصاديا، لم تكن أوروبا بمنأى عن التداعيات. فقد أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة، حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 70% منذ بداية الصراع . هذا الوضع دفع دولا مثل ألمانيا وإيطاليا إلى إعادة النظر في سياساتها الطاقية، وسط مخاوف من تزايد الاعتماد على الغاز الروسي في لحظة توتر جيوسياسي حاد . وقد حذرت المفوضية الأوروبية من أن الحرب في إيران ستؤدي على الأرجح إلى اضطراب طويل الأمد في أسواق الطاقة .
استشراف المستقبل: صراع طويل الأمد وإعادة توازن القوى
تكشف تطورات المواجهة مع إيران عن واقع يتجاوز الحسابات التقليدية للقوة. فبين تحديات الميدان، وضغوط السياسة الداخلية، وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية، تجد واشنطن نفسها أمام اختبار صعب لقدرتها على إدارة صراع مفتوح دون أفق واضح للحسم. يبدو أن مسار الأحداث لا يتجه نحو حسم سريع، بل نحو مرحلة أطول من إعادة التوازن، حيث تتراجع رهانات الحسم العسكري لصالح معادلات أكثر تعقيدا، تتداخل فيها القوة مع القدرة على الصمود وإدارة الأزمات.
من المرجح أن تستمر الولايات المتحدة في الاعتماد على الضربات الجوية المركزة لتقويض القدرات العسكرية الإيرانية، مع تجنب التدخل البري الواسع النطاق بسبب التكاليف والمخاطر العالية. في المقابل، ستواصل إيران استراتيجية(اقتصاد المقاومة) وتعبئة مواردها الداخلية، مع الاعتماد على وكلائها الإقليميين لزيادة الضغط على المصالح الأمريكية والإسرائيلية. ستظل أوروبا في وضع حرج، حيث ستواجه تحديات طاقية واقتصادية كبيرة، مما قد يدفعها إلى إعادة تقييم تحالفاتها وسياساتها الطاقية.
شارك المقال





















Leave a Reply