رصد المغرب / عبد العالي بريك
في قلب مدينة فاس، وبفضاء قصر المؤتمرات، أعلنت السيدة كريمة قرضاوي، رئيسة مؤسسة تمكين ،انطلاقة أشغال المنتدى الجهوي حول منظومة التربية والتكوين، الذي نظمته الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس_مكناس، في سياق وطني يتسم بتسريع تنزيل خارطة الطريق 2022-2026. وقد طبع الجلسة الافتتاحية حضور وازن لمختلف الفاعلين التربويين والمؤسساتيين، حيث تم تقديم كلمة وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة،
ثم عرض السيد مدير الأكاديمية الجهوية، واستعراض حصيلة تنزيل خارطة الطريق على مستوى الجهة، مع الوقوف عند أبرز المنجزات والتحديات المرتبطة بتحقيق مدرسة الجودة والإنصاف. كما تخللت مداخلته حول مفهوم “الريادة” باعتباره أحد المداخل الأساسية لإعادة بناء الفعل التربوي،
غير أن ما ميز هذا اللقاء لم يكن فقط ما قيل في الجلسة الافتتاحية، بل ما جرى بعد ذلك داخل القاعات التي احتضنت ثماني ورشات موضوعاتية، حيث انتقل النقاش من مستوى التصورات العامة إلى مساءلة التفاصيل الدقيقة للممارسة التربوية.
وهناك، داخل هذه الفضاءات، تشكلت دينامية مختلفة، قوامها التفاعل المباشر بين أطر التأطير والمشاركين، إذ لم تطرح الأسئلة بشكل تقليدي، بل جاءت دقيقة ومحرجة أحيانا، تدفع إلى التفكير الجماعي بدل الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة.
أساتذة ومديرون ومفتشون وفاعلون تربويون وجدوا أنفسهم أمام فرصة نادرة للتعبير عن انشغالاتهم اليومية، ليس فقط بوصفها ملاحظات عابرة، بل كمعطيات حية تعكس واقع المدرسة كما يعاش داخل الفصول الدراسية وخارجها.
وفي خضم هذا التفاعل، برزت ظاهرة الهدر المدرسي كواحدة من أكثر القضايا إلحاحا، حيث تكررت الإشارة إليها بوصفها التحدي الذي يختزل اختلالات متعددة في آن واحد. حيث لم يكن النقاش نظريا أو محصورا في الأرقام، بل استند إلى تجارب ميدانية عبر عنها المشاركون بصراحة لافتة.
وفي هذا السياق، أكد أحد الأساتذة المتدخلين أن “الهدر المدرسي ليس رقما في تقرير، بل قصة يومية تبدأ من قسم دراسي وتنتهي بانقطاع صامت لتلميذ كان يمكن أن يكون له مسار مختلف لو توفرت له شروط الاستمرار”، بينما اعتبرت إحدى المشاركات من الأطر الإدارية أن “المشكل لا يرتبط فقط بالمؤسسة، بل بسياق اجتماعي كامل يحتاج إلى تدخلات متكاملة، تتجاوز الحلول الترقيعية”.
ومع تعمق النقاش، اتجهت الأنظار أكثر نحو العالم القروي، حيث بدت الصورة أكثر تعقيدا. فقد استحضر عدد من المتدخلين معاناة التلاميذ الذين يقطعون مسافات طويلة يوميا، في ظروف مناخية صعبة، من أجل الوصول إلى مؤسساتهم التعليمية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على انتظامهم الدراسي واستقرارهم النفسي.
وفي هذا الإطار، أشار أحد المديرين إلى أن “تتبع التلاميذ في الوسط القروي يظل تحديا حقيقيا، ليس بسبب غياب الإرادة، بل بفعل الإكراهات المرتبطة بالنقل وبعد المؤسسات وضعف الإمكانيات”، فيما شددت مشاركة أخرى على أن “تكلفة التنقل وحدها كفيلة بدفع بعض الأسر إلى سحب أبنائها من المدرسة، خصوصا في المستويات الإعدادية والثانوية”.
ورغم هذا التشخيص الصريح، لم يغرق النقاش في السلبية، بل اتجه نحو البحث عن حلول عملية، حيث طرحت مجموعة من المقترحات التي حظيت بتوافق واسع، من قبيل توسيع خدمات النقل المدرسي وتجويدها، وتعزيز برامج الدعم الاجتماعي، سواء عبر الإطعام المدرسي أو الداخليات والمنح، إضافة إلى ضرورة تقريب المؤسسات التعليمية من الساكنة القروية.
كما برزت دعوات قوية إلى إعادة الاعتبار لدور الأسرة في تتبع المسار الدراسي للأبناء، وإلى جعل المدرسة فضاء أكثر جاذبية من خلال الأنشطة الموازية، بما يسهم في تقليص نسب الانقطاع وإعادة الثقة في المؤسسة التعليمية.
وعلى هامش هذه النقاشات المكثفة، لم تغب الجوانب التنظيمية التي أضفت على اللقاء بعدا إنسانيا، حيث شكلت استراحة الغداء ثم جلسة الشاي لحظات للتواصل غير الرسمي، تبادل خلالها المشاركون الآراء والانطباعات بعيدا عن طابع الجلسات الرسمية، وهو ما ساهم في خلق جو من الألفة والتقارب بين مختلف المتدخلين.
وقبيل إسدال الستار على أشغال المنتدى، تم تقديم خلاصات الورشات الموضوعاتية، التي عكست غنى النقاشات وعمق المقترحات المنبثقة عن مختلف القاعات، قبل أن يتم تتويج عدد من المبادرات والمشاركات المتميزة من خلال جوائز تشجيعية بلغت قيمة بعضها عشرة آلاف درهم، إلى جانب تذكارات رمزية، في خطوة عكست رغبة واضحة في تحفيز الفاعلين التربويين وتشجيع روح المبادرة والابتكار.
هكذا، خرج المنتدى من إطاره التنظيمي ليؤكد أن إصلاح منظومة التربية والتكوين لا يمكن أن يظل حبيس الوثائق والتوصيات، بل ينبغي أن ينبع من داخل القاعات، حيث تطرح الأسئلة الحقيقية وتبنى الحلول الواقعية.
وإذا كانت التحديات المطروحة تعكس عمق الإكراهات التي تواجه المدرسة المغربية، فإن الروح التشاركية التي طبعت هذا اللقاء، إلى جانب الجرأة في الطرح وتعدد زوايا النظر، تفتح أفقا ممكنا لبناء مدرسة أكثر إنصافا وجودة، قادرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع، سواء في الحواضر أو في أعماق العالم القروي، حيث يبدأ التحدي الحقيقي وينكشف معنى العدالة المجالية في أبهى صوره أو في أقسى تجلياته.
شارك المقال






















Leave a Reply