لماذا لا يزال الحديث عن السلفية الجهادية ضروريا؟

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

 

المقدمة

قد يبدو الحديث عن السلفية الجهادية اليوم وكأنه نبش في أرشيف الماضي خصوصا بعد الانحسار الجغرافي لتنظيم الدولة الإسلامية داعش وتراجع الهجمات الكبرى التي تبناها تنظيم القاعدة. فالانطباع السائد لدى الكثيرين هو أن هذه الظاهرة قد دخلت مرحلة الأفول وأن العالم قد طوى صفحتها الأكثر دموية بين عامي 2014 و2017. إلا أن هذا التصور رغم وجاهته الظاهرية يتجاهل حقيقة أكثر تعقيدا السلفية الجهادية لم تختف بل تحولت وتكيفت وأصبحت أكثر تشظيا وشبكية من أي وقت مضى.

إن اختزال هذا التيار في تنظيماته الكبرى هو خطأ منهجي فادح. فالسلفية الجهادية في جوهرها هي إطار أيديولوجي متكامل يوفر لأتباعه رؤية للعالم ومنهجا للتغيير وغاية نهائية. هذه البنية الفكرية التي تنهل من مفاهيم الحاكمية والولاء والبراء ومركزية الجهاد المسلح لا تزال حية وقادرة على جذب عناصر جديدة في بيئات سياسية واجتماعية هشة حول العالم.

لذلك فإن السؤال المطروح اليوم لا ينبغي أن يكون هل ما زالت السلفية الجهادية موجودة؟ بل كيف تغيرت؟ وكيف تعيدانتاج نفسها في ظل الواقع الجديد؟ وما هي الأدوات التحليلية الأنسب لفهم هذه التحولات؟. هذه الدراسة تسعى للإجابة على هذه الأسئلة عبر تحليل ثلاثة أبعاد رئيسيةبقاء الإطار الأيديولوجي وتحول البنية التنظيمية من الهرمية إلى الشبكات اللامركزية واستمرار البيئات الحاضنة التي تسمح لهذا الفكر بالنمو والانتشار في العصر الرقمي.

الفصل الأول الإطار الأيديولوجي للسلفية الجهادية وبقاؤه كقوة محركة

لفهم قدرة السلفية الجهادية على البقاء والتجدد، لا بد من تفكيك بنيتها الفكرية التي تمنحها صلابتها. هذا التيار ليس مجرد رد فعل عنيف على ظروف سياسيةبل هو مشروع أيديولوجي له جذوره ومنطقه الداخلي الذي يبرر حركيته الجهادية ويجعله واجبا مقدسا.

الجذور الفكرية مزيج من السلفية التقليدية والثورية الحركية

نشأت السلفية الجهادية من رحم تيارين رئيسيين شكلا معا خليطا فريدا

السلفية العلمية استمدت منها التركيز على العقيدة والعودة إلى فهم السلف والتشدد في مفاهيم مثل التوحيد والشرك. والأهم من ذلك مفهوم الولاء والبراء الذي يرسم حدودا فاصلة وحادة بين أهل الإيمان وأهل الكفر مما يخلق أساسانفسيا للانعزال عن المجتمعات القائمة واعتبارها جاهلية.

الإسلام الحركي الثوري تأثرت السلفية الجهادية بشدة بكتابات سيد قطب المفكر البارز. من قطب استعارت مفهوم الحاكمية الذي يعني أن التشريع لله وحده وأن أي نظام حكم لا يطبق الشريعة الإسلامية بحذافيرها هو نظام طاغوتي كافر تجب محاربته. هذا المفهوم حول التركيز من مجرد إصلاح الفرد والمجتمع كما في السلفية التقليدية إلى ضرورة هدم الأنظمة القائمة بالقوة .

هذا المزيج أنتج تيارايجمع بين الصرامة العقدية للسلفية والمنهج الثوري للحركيين مع وضع الجهاد المسلح في مركز منظومته باعتباره الفريضة الغائبة والحل الوحيد لأزمات الأمة.

الأيديولوجيا كإطار ذهني عابر للحدود

إن قوة هذه الأيديولوجيا تكمن في قدرتها على تقديم إجابات بسيطة وحاسمة لأسئلة معقدة حول الهوية والسياسة والعدالة. فهي توفر للشباب المحبط في مختلف أنحاء العالم

هوية بديلة تقدم لهم السلفية الجهادية هوية أسمى كجنود في أمة الإسلام العالمية.

سردية واضحة تقدم لهم سردية المظلومية الأمة الإسلامية تتعرض لهجوم من الصليبيين واليهود والأنظمة العميلة وسردية البطولة واجبك هو الدفاع عن الأمة واستعادة مجدها.

برنامج عمل تقدم السلفية الجهادية برنامجا واضحا ومباشرا/ الجهاد.

هذا الإطار الذهني لا يموت بموت قائد أو تفكك تنظيم. طالما أن الظروف التي تجعل هذا الخطاب جذابا لا تزال قائمة فإن الأيديولوجيا ستظل قادرة على إلهام أجيال جديدة من المقاتلين.

الفصل الثاني التحول البنيوي من الهرمية إلى الشبكات اللامركزية

شهدت البنية التنظيمية للسلفية الجهادية تحولا عميقا مع دخول القرن الحادي والعشرين تحولا لم يكن مجرد تغيير في الأسلوب أو في التكتيك بل إعادة صياغة كاملة لفلسفة التنظيم نفسها. ففي المرحلة الأولى كان النموذج الهرمي المركزي الذي مثله تنظيم القاعدة تحت قيادة أسامة بن لادن ينهض على فكرة المركز الذي يملك الشرعية ويصدر التوجيهات ويحتكر عملية التخطيط الاستراتيجي بينما تعمل الفروع وفق رؤية موحدة وتحت إشراف مباشر. هذا النموذج كان امتدادالثقافة التنظيمات الحركية التقليدية قيادة عليا جهاز تخطيط هياكل دعم وتدرج صارم في اتخاذ القرار. وقد منح القاعدة قدرة نوعية على التخطيط البعيد المدى وصياغة عمليات معقدة مثل هجمات 11 سبتمبر وبناء شبكة عالمية تعتمد على معسكرات تدريب مركزية وقنوات تمويل تجمعها نقطة ارتكاز واحدة.

غير أن التحولات الدولية بعد 2001  من الضربات الاستباقية إلى تفكيك معسكرات التدريب إلى الضغوط الاستخباراتية التي استهدفت الأدمغةالإدارية  ادت إلى إهلاك البنية التي تسمح بوجود مركز قوي. ومع انهيار البيئة التي ازدهرت فيها القاعدة لم يعد النموذج الهرمي قادراعلى إنتاج الفعل أو حماية نفسه. جائت تجربة العراق ثم سوريا لتكشف أن الأنموذج القديم فقد أحد أهم عناصر بقائه القدرة على الحركة في دولة مضيفة ومتسامحة ما جعل من بقاء القيادة المركزية مصدرا للخطر لا للقوة.

في هذا الفراغ البنيوي برزت فلسفة جديدة ساهم في تنظيرها أبو مصعب السوري واخرون تقوم على اللامركزية والشبكية والقدرة على توليد الفعل من الأطراف بدلا من المركز. لم يعد التنظيم بحاجة إلى زعيم كاريزمي واحد يضبط الإيقاع بل صار بحاجة إلى بيئة نضالية تتكاثر فيها الخلايا وتستنسخ فيها الأفكاروتنتج المبادرات بصورة ذاتية. هذا التحول من التنظيم إلى البيئة قلب مفهوم الجهاد العالمي رأساعلى عقب بدل أن يكون المشروع قائما على بنية قيادية محكمة صار قائما على طيف واسع من الفاعلين الذين توحدهم الأيديولوجيا والخيال الجهادي أكثر مما توحدهم التعليمات العملياتية.

سمح هذا النموذج الشبكي بانتقال السلفية الجهادية من مشروع نخبوي يعتمد على الانضباط التنظيمي إلى مشروع مفتوح يعتمد على القابلية الاجتماعية وعلى دينامية الإلهام بدلا من التوجيه. الخلايا الصغيرة والذئاب المنفردة والمجموعات المحلية باتت تمارس دورا كان محصورا سابقا في قيادات مركزية فصار التنفيذ متاحا دون انتظار الموافقة وصار الناشط الجهادي جزءا من حركة لا من تنظيم. وقد ظهر بوضوح أن هذا النموذج أكثر قدرة على البقاء في البيئات المدنيةوأكثر قابلية للانتشار في الفضاء الرقمي وأسرع في التكيف مع الضربات الاستخباراتية لأن غياب المركز يعني غياب الهدف.

ومع صعود تنظيم الدولة الإسلامية الذي جمع بين مركزية الدولة من جهةوإلهام الشبكات الدولية من جهة أخرى اكتملت صورة التحول السلفية الجهادية لم تعد مشروعا يدار من قندهار بل حركة متعددة المراكزعابرة للجغرافيا تتمدد بقدر ما تتفتت وتنكمش بقدر ما تتشظى. هذا المنطق الجديد جعل من فكرة الانتماء أمرا واسعا وجعل من الفعل الجهادي جزءا من بيئة عالمية لا تحتاج إلى تصريح أو عضوية رسمية.

وهكذا يمكن القول إن الانتقال من الهرمية الصارمة إلى الشبكية اللامركزية لم يكن مجرد استجابة ظرفية بل مرحلة جديدة في تطور السلفية الجهادية مرحلة جعلت الحركة أقل قابلية للاحتواء وأكثر قابلية لإعادة التشكل وأكثر انسجاما مع روح العصر الرقمي الذي يعلي من شأن الشبكات على حساب المؤسسات التقليدية. إنها نقلة غيرت بنية الفكر قبل أن تغير بنية الفعل وأعادت تعريف معنى التنظيم نفسه بحيث أصبح الأثر أهم من البنية والقدرة على البقاء أهم من القدرة على السيطرة.

 

الفصل الثالث البيئة الحاضنة الجديدة السلفية الجهادية والإعلام الرقمي

أصبح العصر الرقمي البيئة الحاضنة الأكثر تأثيرافي إعادة تشكيل السلفية الجهادية وتوسيع نطاق انتشارها بعدما نجحت التنظيمات في استثمار الفضاء الافتراضي لتجاوز الحدود الجغرافية وأنظمة الرقابة التقليدية التي كانت تقيد حركتها سابقا. فمع التحول من المنتديات المغلقة في بدايات الألفية إلى منصات التواصل الاجتماعي الكبرى وتطبيقات المراسلة المشفرة انفتحت أمام هذه الحركات افاق جديدة مكنتها من تعميم خطابها وبيناتها الأيديولوجية على جمهور عالمي واسع مستفيدة من الطابع الفوري واللامركزي للإعلام الرقمي.

لقد أدركت التنظيمات الجهادية مبكرا أن الفضاء الرقمي ليس أداة تواصل فحسب بل فضاء تعبئة وتأثير وتشكيل وعي ولذلك طورت عملا إعلاميا مكثفا يقوم على إنتاج محتوى عالي الجودة يجمع بين الإبهار البصري والقوة العاطفية للرسائل. ومع انتشار هذه المواد على تويتر وفيسبوك وتلغرام وغيرها أصبح التجنيد أكثر سهولة وفاعلية. فمن خلال الرسائل الدعائية والدروس الافتراضية وجدت هذه التنظيمات في الإعلام الرقمي وسيطا مثاليا لتجاوز الحاجة إلى الاتصال المباشر وجلب متعاطفين من ثقافات وبيئات لا تشترك في السياق المحلي نفسه.

كما أتاح الفضاء الرقمي إمكانات واسعة للتمويل والتواصل إذ وفرت العملات المشفرة آليات تمويل سرية يصعب تتبعها بينما منحت التطبيقات المشفرة للتنظيمات قدرة على إدارة شبكات لامركزية وتحريك خلايا متناثرة دون الحاجة إلى قيادة مركزية صلبة. ومع هذا النمط من التواصل الشبكي اتسعت قدرة التنظيمات على الحفاظ على تماسكها رغم الضربات الأمنية وعلى ضمان استمرار عملياتها بصورة يصعب توقعها أو محاصرتها..

وقد ادى هذا التحول الرقمي إلى توسع الظاهرة الجهادية عالميا بطريقة غير مسبوقة. فالأيديولوجيا لم تعد تحتاج إلى أرض تمكين أو دولة جغرافية كي تنتشر بل بات الفضاء الافتراضي نفسه هو الدولة البديلة التي يتم فيها بناء الفردوتشكيل شبكات الولاء وتعميم الخطاب. وهكذا تحولت السلفية الجهادية من حركة محكومة بقيود المكان إلى ظاهرة عابرة للحدود قادرة على الوصول إلى مناطق لم يكن لها حضور فيها من قبل مستفيدة من خصائص العصر الرقمي الذي جعل الإعلام نفسه ساحة معركة والإقناع السردي سلاححا والتواصل العالمي أداة تعبئة لا تنضب.

 

الخاتمة

لقد أثبتت السلفية الجهادية قدرة هائلة على التكيف والبقاء في القرن الحادي والعشرين. إن الانحسار الجغرافي لتنظيماتها الكبرى لا يعني أفول الظاهرة بل يشير إلى تحولها من كيانات هرمية إلى شبكات أيديولوجية لامركزية تستغل الفضاء الرقمي ببراعة.

 

Share this content:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *