أزمة مجلس الصحافة هو انهيار المعايير وصعود العبث المؤسساتي ولجنة الأخلاقيات أصبحت واجهة للتصفية والعبث
رصدالمغرب / عبدالكبير بلفساحي
لم تكن الواقعة الأخيرة داخل مجلس الصحافة ولجنته للأخلاقيات مجرد حدث عابر في مسار المهنة، بل شكلت هزة أخلاقية ومؤسساتية غير مسبوقة، كشفت أعطابا عميقة في بنية المجلس الذي يفترض أن يكون “محراب الحقيقة” وحارسا لمبادئ حرية التعبير وكرامة الصحافيين. فبدل أن تتجلى فيه قيم التجرد والحياد والنزاهة، بدا المشهد غارقا في لغة متدنية وتمييز فج وانتقاص غير مبرر من مؤسسات دستورية، وفي مقدمتها السلطة القضائية والمحاماة.
إن ما جرى داخل مجلس الصحافة ولجنة الأخلاقيات لا يمكن وصفه إلا بأنه فضيحة أخلاقية ومؤسساتية مكتملة الأركان، لأننا لم نكن أمام جلسة تأديبية، بل أمام مسرحية رديئة انهارت فيها القواعد، وتقدمت فيها الأهواء على النصوص، وانقلب فيها من يفترض أنهم حماة المهنة إلى أكبر المسيئين إليها.
من الواضح أن ما حدث تضمن مساسا مباشرا بالسلطة القضائية، سواء على مستوى النيابة العامة أو على مستوى القضاة، لأن التعابير التي قيلت، وما رافقها من استهزاء وتبخيس، تستوجب في حدها الأدنى اعتذارا صريحا ومباشرا للقضاء باعتباره إحدى ركائز الدولة وعمودها الضامن للعدالة، لأن العبارات التي وجهت إلى السلطة القضائية ليست مجرد زلة لسان، بل مساس مباشر بأحد أعمدة الدولة، حيث كان لزاما أن يأتي الاعتذار صريحا ومباشرا للنيابة العامة وللسادة القضاة، ولأن ما صدر لم يكن نقدا مهنيا، بل تبخيسا واحتقار، لذلك فالاعتذار واجب لا ترف
وأما ما يتعلق بالمحامين، فالأمر مختلف، إذ لا يمكن تصريف الاعتذار وكأنه مجرد إجراء شكلي، لأن المحاماة قبل أن تكون مهنة، هي رسالة للدفاع عن الحقوق، والإساءة لمنتسبيها تتحول ضربا في مبدأ الحق في الدفاع نفسه، لذلك يمكن القول، بأن المحاماة تعرضت بدورها لامتهان غير مقبول، حيث الاعتذار هنا لا يمكن أن يكون “هبة” بل حق مهني وأخلاقي، لأن المساس بالمحامي هو مساس برسالة الدفاع نفسها.
وأخطر ما كشفته الواقعة هو ما يمكن وصفه بـ “المسلخة الأخلاقية”، لأن الجلسة التي نظمت باسم الأخلاقيات افتقرت إلى أبسط الشروط الأخلاقية والقانونية، بل شهدت خروقات فاضحة، منها خرق المادة 41 من قانون التأديب، التي تلزم المقرر بالانسحاب من المداولات فور تقديم تقريره، حيث استمرار المقررة في النقاش والمداخلة بشكل مخالف للقانون، هو محاولات حثيثة لتغيير النصوص القانونية لتناسب وضعا شاذا عوض احترام النص القائم، ليصبح الوضع هو تطبيع مع تجاوزات تمس الشرعية التأديبية، وتحويل التأديب من آلية للمحاسبة المهنية إلى أداة لتصفية الحسابات أو إنتاج أحكام قيمية مسبقة.
والأخطر من ذلك، أن هناك من حاول إلغاء المادة القانونية نفسها لاحقا، فقط كي تتطابق النصوص مع ما وقع من تجاوزات. إنه منطق تفصيل القانون على المقاس، بدل احترام القانون كنص ناظم للمهنة، لتصبح الأخلاقيات كلها في الحضيض دون استثناء.
وهنا يبدو السؤال ملحا، وهو كيف يمكن للجنة أخلاقيات أن تحاكم الأخلاق وهي نفسها تمارس خروقات أخلاقية وقانونية؟ وكيف يمكن للجنة أخلاقيات أن تحاكم صحافيا وهي لا تملك الحد الأدنى من اللياقة المهنية؟
المنطلق في أي مسار تأديبي داخل الصحافة، يجب أن يكون ميثاق الأخلاقيات باعتباره المرجعية العليا، لأن الميثاق ينص على التجرد والنزاهة وعدم التمييز واحترام الكرامة والامتناع عن خطاب الكراهية.
غير أن ما عرض أمام الرأي العام أظهر العكس تماما، بلغة منحطة ومتدنية، وتمييز واضح وازدراء، وتبخيس مؤسسات الدولة، وأيضا اتهامات بالفساد دون سند، ليصبح المشهد عبارة عن خطاب يحرض على الكراهية بدل التهدئة. هكذا تحولت جلسة يفترض أن تكون نموذجا للرصانة إلى واقعة عبثية صادمة أصبحت فضيحة بمعايير تاريخية.
لا مبالغة في القول إن ما وقع يشبه، من حيث الأثر الرمزي، بعضًا من كبرى الفضائح التي هزت الوجدان وهزت الأخلاق العامة، بل يمكن الجزم بأن ما حدث يعادل في رمزيته كبريات الفضائح التي صدمت الرأي العام المغربي ومست الأخلاق الاجتماعية، لأن ما حدث داخل مجلس الصحافة مس القيم التي بني عليها دستور 2011، وقوض الاعتبار المؤسساتي للصحافة باعتبارها سلطة مستقلة.
فالصحافة التي يفترض أن تكون صوت الحقيقة، وحصنا لحرية التعبير، ظهرت أمام المغاربة بصورة بشعة ومقززة، ظهرت لأول مرة بهذا الوضوح، كمؤسسة عاجزة ومضطربة ومتردية أخلاقيا، وصلت حد أن الرأي العام، بمختلف أطيافه ومستويات وعيه، تضامن مع الصحافي، حتى الذين كانوا مختلفين معه سياسيا وفكريا، ولأن الناس رأوا ظلما بينا، بل أدركوا أن الرجل تعرض لظلم مبيت وإساءة مقصودة. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة تأديبية، وهو أن يفقد الناس الثقة في عدالتها، حيث شاهدوا نية واضحة في الإيذاء، وهو ما جعلهم أن يفقدوا الثقة في مؤسسة يفترض أن تكون نموذجا للعدالة المهنية.
والصدمة الكبرى كانت في هوية من أدار هذه الجلسة، فقد كان كثيرون ينظر إليهم باعتبارهم “نخبا” أو “فاعلين” سياسيين ومهنيين، فإذا بهم يسقطون في اختبار الأخلاق والمؤسسات، حيث هذه السقطة ليست مجرد خطأ عابر، بل علامة على اهتزاز عميق في مفهوم النخبة نفسها، وعلى الحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات الصحافة على أسس جديدة وواضحة وشفافة تحترم القانون قبل كل شيء.
يمكن القول بأنها لحظة مفصلية لإعادة ترتيب البيت الصحافي، حيث الواقعة ليست حادثا منعزلا، بل جرس إنذار عال يكشف فشلا في الحكامة، وانهيارا في الأخلاقيات، زيادة على خروقات قانونية صارخة، وأيضا هناك أزمة ثقة بين المجلس وجمهور الصحافيين والرأي العام.
لقد تجاوزت الأزمة حدود الخطأ الفردي، فنحن أمام خلل بنيوي في آلية التأديب، وفي طريقة اشتغال المجلس، وفي مفهوم الأخلاقيات ذاتها، لذلك فإن إصلاح الوضع لم يعد مجرد خيار، بل ضرورة وطنية، وعليه فإن إعادة الاعتبار لمنظومة الصحافة يتطلب إصلاحا جذريا لبنية المجلس ولجنته التأديبية، ومراجعة شاملة لطرق تعيين الأعضاء وشروط عضويتهم، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المجلس نفسه، وأيضا والأهم هو استحضار روح الدستور وميثاق الأخلاقيات كمرجعية عليا.
ما جرى ليس خلافا مهنيا، وليس سوء تفاهم، بل فضيحة مؤسساتية كشفت أن مجلس الصحافة، في صورته الحالية، لم يعد قادرا على لعب دوره كسلطة مستقلة، بل إنها لحظة حاسمة، فإما إعادة بناء سلطة صحافة حقيقية بإصلاح جدري، وإما ترك المجال للعبث ليستمر تحت يافطة الأخلاقيات نحو الإنهيار النهائي
إما أن يتم الإصلاح الجذري الآن، أو سيواصل المجلس السقوط ومعه جزء من ثقة المغاربة في الصحافة نفسها.
إرسال التعليق