الأمن الإقليمي بين التحالفات التقليدية ومتغيرات الصراع
رصد المغرب / علي أنوزلا
عكس بعض المتصهينين المغاربة الذين ينتشون بمناظر القصف العدواني الصهيوني الأمريكي على المدن الإيرانية، ويتشفّون في مقتل الأبرياء من الأطفال والنساء في إيران ولبنان، ويحرّضون ليل نهار على أن تحترق إيران بعد أن احترقت غزة وبيروت.. ترتفع في دول الخليج أصوات عقلاء تدعو إلى إعادة النظر في علاقات هذه الدول بحلفائها في أمريكا وإسرائيل، وتتبنّى خطاباً عقلانياً تصالحياً مع إيران لاستشراف المستقبل.
وقد انعكست هذه الأصوات حتى في البيانات الرسمية لدول المنطقة، من قطر إلى عُمان مروراً بالكويت التي دعت إلى ترجيح لغة العقل والنظر إلى المستقبل، والسعودية التي تحدث بيانها عن مراعاة علاقاتها مع إيران اليوم وفي المستقبل. أمّا في عُمان، فقد كان سلطانها من بين أوائل من هنّأ المرشد الإيراني الجديد بعد تولّيه منصبه، في إشارة إلى الرغبة في البناء للمستقبل بعد أن ينتهي العدوان المزدوج على إيران.
أصحاب هذه الأصوات ليسوا شيعة، ولا هم غير وطنيين. إنهم غاضبون من الاعتداءات الإيرانية على دولهم، رغم أن إيران أكدت أكثر من مرة أنها لا تستهدف هذه الدول بحد ذاتها، وإنما القواعد الأمريكية التي تحتضنها أراضيها وتنطلق منها الهجمات على المدن والمواقع الإيرانية. ومع ذلك فهم يميّزون بين أعدائهم، وقد أدركوا من خدعهم ومن يريد توريطهم في حرب لا مصلحة لهم فيها هما أمريكا وإسرائيل، اللتان خططتا لعدوانهما وباشرتاه من دون أن تخبرا الدول التي كانت تعتبر نفسها «حليفة استراتيجية» لواشنطن، ودولاً مطبّعة مع إسرائيل تربطهما بكلاهما صفقات أسلحة ومصالح بمليارات الدولارات.
للمرة الأولى لم تنجرّ الدول العربية الخليجية وراء أكبر مؤامرة صهيونية أمريكية تسعى إلى إشعال المنطقة، والتورط في المشاركة في جرائمها ضد الشعب الإيراني. لذلك رفضت، رغم الضغوط التي مورست عليها، أن تكون جزءاً من هذا التحالف العدواني ضد إيران. وهو موقف يُحسب لهذه الدول التي فطنت إلى الخديعة التي حاولت أمريكا وإسرائيل نصبها لها، إذ لم تُعلماها ولم تُشركاها في عدوانهما على إيران، وها هما اليوم، بعد أن تورّطتا، تحاولان الزجّ بهذه الدول في صراع مفتوح مع إيران يستمر حتى بعد انتهاء العدوان الحالي، كي يستمر التوتر في المنطقة ويستمر التقاتل بين إيران وجيرانها. وبذلك يتوفر لإسرائيل وأمريكا مبرّر دائم للتدخل في شؤون تلك الدول بذريعة حمايتها، كما تتوفر لمصانع أسلحتهما ومخابراتهما وجواسيسهما أسواق مثالية غنية يبيعان فيها «خردتهما» التي، عندما احتاجت هذه الدول إليها لحماية نفسها، لم تنفعها، لأنها في أغلبها أسلحة تقليدية لا تصلح إلا للحروب الكلاسيكية في زمن الصواريخ والدرونات والحرب السيبرانية.
على الدول العربية، وخاصة الخليجية، أن تعي الدرس، وأن تعيد بناء أمنها القومي اعتماداً على نفسها، وأن تعيد ترتيب علاقاتها مع محيطها، ولا سيما مع إيران، فهي باقية ومستمرة، جزء من الجغرافيا الطبيعية والجيوستراتيجية للمنطقة، وجزء لا يتجزأ من الأمن الإقليمي فيها، تمثل عمقاً استراتيجياً مستقلاً للأمن العربي مستقبلا في الخليج وفي المنطقة العربية من العراق إلى اليمن.
لقد كشفت هذه الحرب، وقبلها حرب الإبادة في غزة، أن الخطر الأكبر في المنطقة على أمنها واستقرارها ليس إيران، بل إسرائيل وعرّابتها أمريكا، اللتان تعملان على تسميم علاقات البلدان فيما بينها لتوسيع نفوذهما وهيمنتهما. فالهدف من وراء هذه الحرب، كما قال السيناتور الصهيوني ليندسي غراهام، هو إشعال حرب بين دول الخليج وإيران لاستنزافهما، وفرض التطبيع الإسرائيلي على السعودية وعلى بقية دول المنطقة، إيذاناً ببداية «العهد الإسرائيلي» فيها، حيث يتحول الجميع إلى خدم لدى الصهاينة ورعاتهم الأمريكيين. وهذا، مع الأسف، هو الخيار الذي سلكه المغرب مبكرا عندما أقدم على التطبيع مع إسرائيل، وهو الخيار نفسه الذي يدافع عنه المتصهينون بيننا.
إرسال التعليق