السياسة الأمريكية بين المصلحة والعقيدة
السياسة الأمريكية بين المصلحة والعقيدة
رصدالمغرب / عبدالكبير بلفساحي
من الشائع في التحليلات السياسية القول بأن الولايات المتحدة كقوة عظمى، تتحرك في سياساتها الخارجية بدافع “المصلحة” قبل كل شيء، وأن كل خطوة تخطوها إنما هي لتحقيق مكاسب اقتصادية أو عسكرية أو استراتيجية، غير أن هذا التفسير رغم صحته الجزئية، يظل قاصرا إذا ما عزل عن البعد العقائدي الذي يمثل محركا موازيا بل ومكملا للمصلحة.
فإذا كانت العقيدة إطار حاكم للسياسة، فإن الولايات المتحدة ليست مجرد دولة براغماتية تسعى وراء المكاسب المادية فحسب، بل هي أيضا مشروع حضاري قائم على عقيدة سياسية وثقافية محددة، تقوم على “تفوق النموذج الأمريكي” وحقه في قيادة العالم، حيث هذه العقيدة تتغذى من خليط أيديولوجي يجمع بين الليبرالية المتطرفة، والرؤية الاستعلائية المستندة إلى التاريخ الاستعماري الغربي، بل وأحيانا من خلفيات دينية توراتية، حيث من هنا، فإن العقيدة الأمريكية لا تقتصر على الداخل، بل تصدر كرسالة إلى الخارج، وتوظف لتبرير التدخلات في شؤون الدول والشعوب الأخرى.
ورغم أن المصلحة والعقيدة هي علاقة تخادم، فإنهما في السياسة الأمريكية ليستا خطين متوازيين، بل هما متداخلان في شبكة واحدة، حيث الأولى التي هي المصلحة تدعم العقيدة، حين تحقق الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية أو عسكرية في منطقة ما، فإنها تعزز بذلك نفوذها الثقافي والسياسي، ما يعطي مشروعها العقائدي زخما إضافيا، والثانية هي العقيدة تدعم المصلحة، حيث في المقابل، تستخدم العقيدة لتبرير السلوك السياسي والاقتصادي، إذ تقدم التدخلات العسكرية أو الحصار الاقتصادي على أنها دفاع عن “الحرية” أو “الديمقراطية”، في حين أن الهدف الباطن غالبا هو السيطرة على الموارد أو حماية مصالح الشركات العملاقة.
وأما في الشرق الأوسط، لم تكن السياسات الأمريكية في المنطقة مجرد بحث عن النفط أو ضمان أمن الكيان الصهيوني فحسب، بل أيضا محاولة لإعادة تشكيل المجتمعات وفق النموذج الأمريكي الليبرالي، بما يضمن تبعية عقائدية وثقافية موازية للتبعية الاقتصادية، وعلى سبيل المثال، ففي أمريكا اللاتينية، هناك الانقلابات التي دعمتها واشنطن لم تفسر فقط بالمصلحة الاقتصادية (نهب الموارد والسيطرة على الأسواق)، بل أيضا بمواجهة أي نموذج سياسي يتعارض مع عقيدتها الليبرالية، مثل الاشتراكية أو القومية الثورية.
إن اختزال السياسة الأمريكية في “المصلحة” وحدها يفرغها من بعدها الحقيقي، كما أن ردها إلى “العقيدة” فقط يغفل جانبها البراغماتي، بل إنما هي عملية تخادم متواصل بين الاثنين، حيث تسخر العقيدة لخدمة المصلحة، وتستخدم المصلحة لترسيخ العقيدة، حيث من هنا يوضح أن أي قراءة واعية للسياسة الأمريكية يجب أن تجمع بين البعدين معا، بعيدا عن التبسيط المخل أو التحليل المجتزأ.
إرسال التعليق