تحليل العوامل المعيقة لتكرار تجربة جبر الضرر في سياق المعتقلين السلفيين بالمغرب
رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
تعد تجربة العدالة الانتقالية في المغرب التي تجسدت في هيئة الإنصاف والمصالحة (IER) نموذجا إقليميا رائدا في معالجة انتهاكات الماضي. ومع ذلك، يواجه تكرار أو توسيع نطاق هذه التجربة ليشمل ملف المعتقلين السلفيين تحديات هيكلية عميقة. يهدف هذا التحليل إلى تفكيك العوامل المعقدة التي تحول دون تطبيق مقاربة شاملة لجبر الضرر في هذا السياق. تكمن هذه العوائق في تباين الإطار التاريخي والقانوني للنزاع والحساسية الأمنية الراهنة المرتبطة بمكافحة الإرهاب وغياب التوافق المدني والسياسي اللازم لدعم هذه القضية.
المقدمة: السياق والاشكالية
شكلت هيئة الإنصاف والمصالحة (IER) في المغرب التي تأسست عام 2004، محطة مفصلية في تاريخ البلاد، حيث سعت إلى طي صفحة “سنوات الرصاص” من خلال جبر الضرر الفردي والجماعي، وكشف الحقيقة، وتقديم توصيات للإصلاح المؤسساتي. وقد نجحت هذه التجربة إلى حد كبير في بناء توافق وطني حول ضرورة المصالحة مع الماضي.
ومع ذلك يظل ملف المعتقلين السلفيين المرتبط بأحداث 16 ماي 2003 وما تلاها خارج الإطار الشامل لآليات العدالة الانتقالية مما يثير تساؤلات حول استدامة وشمولية المقاربة المغربية. تكمن الإشكالية المركزية في فهم الأسباب الجذرية لتأجيل أو عدم تكرار تجربة جبر الضرر مع هذه الفئة، على الرغم من التقارير الحقوقية التي تشير إلى وقوع انتهاكات في حقهم 1.
تعزى هذه المعضلة إلى تداخل مجموعة من العوامل المتشابكة التي يمكن تصنيفها ضمن ثلاثة محاور رئيسية: التمايز السياقي للنزاع، الاعتبارات الأمنية والسياسية الراهنة، وغياب الحاضنة المجتمعية.
التمايز السياقي بين ملفي العدالة الانتقالية
إن أحد أبرز العوامل المعيقة هو التباين الجوهري في التصنيف القانوني والسياسي بين معتقلي “سنوات الرصاص” والمعتقلين السلفيين:
شكلت تجربة العدالة الانتقالية في المغرب منعطفا مهما في طي صفحة “سنوات الرصاص” عبر الاعتراف الرسمي بالانتهاكات وجبر الضرر لفائدة فئات واسعة من ضحايا الصراع السياسي الذي وسم مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد كان المعتقلون اليساريون الراديكاليون أحد الرموز الأبرز لذلك المسار، باعتبارهم في نظر الدولة ضحايا تجاوزات جسيمة لحقوق الإنسان ارتكبت في سياق مواجهة سياسية وإيديولوجية مفتوحة. فالنزاع حينها كان واضح المعالم: مشروع مجتمعي يساري ثوري في مواجهة سلطة مركزية تسعى إلى تثبيت شرعيتها ومواجهة التهديدات الداخلية. كان الإطار الزمني محددا نسبيا ما أتاح للدولة فرصة رسم حدود العدالة الانتقالية من خلال هيئة الإنصاف والمصالحةوتفعيل خطاب يركز على المصالحة الوطنية والإقرار بالمسؤولية التاريخية وإعادة الاعتبار.
غير أن المشهد يختلف جذريا عندما يتعلق الأمر بملف المعتقلين السلفيين ما بعد 2003. فهؤلاء حشروا منذ البداية ضمن مربع “التهديد الأمني” المرتبط بمكافحة الإرهاب بما جعل نظرة الدولة إليهم أكثر تعقيدا وحذرا لا باعتبارهم ضحايا صراع سياسي بل باعتبارهم خطرا على أمن الدولة والمجتمع. إن الإطار الزمني هنا غير منضبط ولا نهائي فظاهرة التطرف العنيف تقدم دوما كملف مفتوح ضمن أولويات الأمن القومي ما يجعل أي مقاربة حقوقية أو إنصاف جماعي مرتبطة بالملف محفوفة بحسابات أمنية دقيقة.
لقد أفرز هذا التمايز تبايناا واضحا في الخطابات الرسمية فبينما تم التركيز مع ضحايا اليسار على الإنصاف والمصالحة وبناء الذاكرة الجماعية وضمانات عدم التكرار ظل خطاب الدولة تجاه المعتقلين السلفيين محكومابمنطق الاحتراز الأمني والوقاية من التطرف مع ربط أي انفراجات بمؤشرات الاستتابة الفكرية وإعادة الإدماج الاجتماعي المشروط. وهكذا تحول التصنيف الأول إلى عنوان لمرحلة طويت رسميا بينما بقي الثاني عنوانا لملف مستمر ومفتوح على المتغيرات السياسية والإقليمية لا سيما في ظل التحولات المتسارعة في خريطة التهديدات الأمنية.
إن هذا الاختلاف لا يعكس فقط طبيعة التهم أو السياقات التاريخية بل يعبر عن نموذجين متباينين في التعامل الرسمي مع فئتين تختلفان في الخلفية الفكرية وطبيعة الصراع مع الدولة. ففي حين نظر إلى اليسار الراديكالي كجزء من تاريخ سياسي وطني يمكن إدماجه في سردية المصالحة جرى التعامل مع المعتقلين السلفيين باعتبارهم خارج تلك السردية ما جعل مطلبهم في جبر الضرر والاعتراف بالانتهاكات رهيناً باستمرار المقاربة الأمنية وغياب إطار مؤسساتي واضح لمعالجة وضعيتهم.
ومع تصاعد الدعوات لإعادة النظر في الملف بمنظور حقوقي شامل تصبح المراجعة الجريئة لمعيار التمايز ضرورة لتعزيز الثقة العمومية وترسيخ دولة القانون وضمان عدم تسييس حقوق الإنسان أو إخضاعها لاعتبارات ظرفية. فالإنصاف لا يمكن أن يكون انتقائيا ولا المصالحة مجتزأة ما دامت الغاية هي ترميم العقد الاجتماعي وضمان حقوق المواطنة الكاملة لكل من طاله ظلم أو تعسف مهما كانت خلفيته الفكرية أو موقعه في جغرافيا الصراع مع الدولة.
في حالة معتقلي “سنوات الرصاص” جاءت هيئة الإنصاف والمصالحة لمعالجة انتهاكات ارتكبتها الدولة نفسها في إطار مسؤولية سياسية وتاريخية عن فترة معينة. أما في حالة المعتقلين السلفيين فإن المنطق السائد هو أن قضيتهم تندرج ضمن محاربة الإرهاب وليس صراعا سياسيا مع الدولة. تعتبر الدولة أن تعاملها مع هذا الملف كان استجابة لحالة طارئة وتهديد وجودي لأمنها، وليس اضطهادا سياسيا. إن أي اعتراف رسمي واسع بوقوع “تعذيب” أو “ظلم” في حق هذه الفئة قد يفسر على أنه تراجع عن الخط الأمني الصارم مما يثير حفيظة الشركاء الدوليين والمحليين في مجال مكافحة الإرهاب.
الاعتبارات الأمنية والتوجهات الوقائية للدولة
تظل قضايا مكافحة التطرف والإرهاب على رأس أولويات الدولة المغربية، مما يفرض حساسية أمنية عالية على ملف المعتقلين السلفيين.
الحساسية الأمنية والخطاب الرسمي
يشكل الخوف من تفسير أي مبادرة لجبر الضرر على أنها “تبرئة” لخطاب هذه الفئة أو “تراجع” عن السياسة الأمنية الصارمة عائقا رئيسيا. ففي سياق دولي وإقليمي يتسم بتصاعد التهديدات الإرهابية تحرص الدولة على الحفاظ على صورتها كشريك موثوق به في مكافحة الإرهاب. إن فتح ملف الانتهاكات قد ينظر إليه على أنه تقويض لهذا الخطاب مما يفسر التمسك بالتصنيف الأمني-القضائي للملف.
الرهان على المقاربة الوقائية
تعتمد الدولة بشكل متزايد على المقاربة الوقائية والعدالة الإصلاحية كبديل عن المساءلة عن الماضي. ويتمثل هذا الرهان في برامج مثل “مصالحة” و”المرصد الوطني لإعادة إدماج السجناء”، والتي تركز على:
1.منع التطرف وإعادة الإدماج: التركيز على تأهيل السجناء وإعادة إدماجهم في المجتمع كبديل للعودة إلى المسار القضائي أو فتح باب المساءلة عن الانتهاكات.
2.تجنب المساءلة: تحويل التركيز من مساءلة الدولة عن ظروف الاعتقال أو المحاكمات غير العادلة إلى مسؤولية الفرد عن أفكاره وأفعاله.
هذا التوجه يضع الملف في إطار “إصلاحي” مستقبلي، بدلا من إطار “جبر الضرر” الماضي، مما يعيق إمكانية تكرار تجربة IER.
غياب الحاضنة المجتمعية والضغط المدني
على عكس تجربة “سنوات الرصاص”، التي حظيت بدعم مدني واسع من النقابات والأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية والنخب الثقافية والإعلامية يفتقر ملف المعتقلين السلفيين إلى قاعدة دعم مدني قوية وواسعة.
الذاكرة الجماعية والوصم الاجتماعي
يرتبط اعتقال هذه الفئة في الذاكرة الجماعية المغربية بشكل وثيق بالأحداث الخاصة بتفجيرات الدار البيضاء 2003 وما خلفته من صدمة مجتمعية عميقة. هذا الارتباط جعل جزءا كبيرا من الرأي العام ينظر إليهم على أنهم جناة أو إرهابيون محتملون بدلا من كونهم ضحايا لانتهاكات حقوقية. وقد أدى هذا الوصم إلى:
عزوف الأحزاب السياسية: تجنب الأحزاب السياسية تبني هذا الملف خشية التكلفة السياسية والأخلاقية المرتبطة بالدفاع عن فئة ينظر إليها المجتمع بكثير من الريبة والرفض.
صمت النخب: التزمت النخب الثقافية والإعلامية بالصمت شبه الكامل بل وساهمت أحيانا في إعادة إنتاج الصورة السلبية عن هؤلاء المعتقلين من خلال ربطهم المستمر بخطر العنف والتطرف.
الفراغ الحقوقي والمدني
أدى غياب الضغط المدني المنظم والممنهج إلى وضع مريح للدولة حيث لم تجد نفسها مضطرة لمواجهة ضغط مماثل لذلك الذي واجهته في مرحلة العدالة الانتقالية السابقة. وقد ظلت معالجة هذا الملف محكومة بالاعتبارات الأمنية أكثر من كونها استجابة لحاجة وطنية للمصالحة المجتمعية الشاملة.
آليات بناء التوافق المدني نحو مقاربة شاملة
إن تجاوز الجمود الحالي يتطلب استراتيجية متعددة الأبعاد تركز على بناء توافق مدني جديد وتفعيل حوار مؤسساتي.
الفصل المنهجي بين المسألتين الجنائية والحقوقية
يجب أن تبدأ أي خطوة نحو التوافق بفصل واضح بين:
1.المسألة الجنائية: المتعلقة بالفعل الإرهابي وخطورته على أمن المجتمع واستقراره.
2.المسألة الحقوقية: المتعلقة بحق أي متهم مهما كانت تهمته في محاكمة عادلة والحماية من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو القاسية 4.
إن هذا الفصل ضروري لرفع النقاش من مستوى الانفعال والاتهام إلى مستوى المبدأ والحق. فاحترام ضمانات المحاكمة العادلة هو مبدأ كوني ودستوري لا يرتبط بـ التعاطف مع الإرهاب بل بكرامة الإنسان وسيادة القانون.
التوثيق المهني والمحايد للانتهاكات
يمثل التوثيق الموضوعي للانتهاكات مدخللا أساسيا لإطلاق نقاش مدني مسؤول. يجب أن يتم هذا التوثيق بأسلوب قانوني ومهني بعيدا عن الاستقطابات الإيديولوجية من خلال:
اعتماد المنهج الحقوقي المحترف: جمع الشهادات الموثقة والاستعانة بالخبرة الطبية والقانونية وإثبات الأدلة وفقا للمعايير الدولية المعترف بها.
التركيز على الانتهاك ذاته: يصبح الانتهاك التعذيب و المحاكمة غير العادلة هو الموضوع وليس هوية المعتقل أو أفكاره. هذا الحياد يمنح الملفات قوة أخلاقية وقانونية تفرض نفسها في المجال العام.
بناء تحالفات مدنية واسعة وعابرة للانقسامات
يجب العمل على إخراج قضية المعتقلين السلفيين من إطار الانقسام الإيديولوجي الضيق وبناء تحالفات مدنية أوسع. يشمل ذلك إشراك:
محامون مستقلون: لا ينتمون إلى تيار ديني أو سياسي معين لتقديم القضية في إطار القانون والعدالة.
نشطاء حقوق الإنسان: من خارج التيار الإسلامي لتعزيز مصداقية الدفاع عن الحقوق الأساسية لجميع المواطنين.
أكاديميون وباحثون: لتقديم تحليلات موضوعية تبرز الانتهاكات بعيدًا عن التورط في الصراعات الإيديولوجية.
إن توسيع هذه التحالفات يحول القضية من قضية تيار إسلامي معين إلى قضية حقوقية عامة مما يسهل على المجتمع المدني الأوسع التعاطف معها ودعمها.
تفعيل الحوار المؤسساتي والاعتراف المتبادل
يجب البحث عن آليات للحوار مع المؤسسات الرسمية المجلس الوطني لحقوق الإنسان وزارة العدل إلخ. ولكي يكون هذا الحوار مثمرا يجب أن يقوم على الاعتراف المتبادل:
اعتراف الدولة: بوقوع تجاوزات في المرحلة السابقة سواء في ظروف الاعتقال أو المحاكمات أو في الإقصاء من برامج الإنصاف والمصالحة.
اعتراف المعتقلين السابقين: بأن بعض الممارسات والخطابات شكلت تهديدا لأمن البلاد واستقرارها.
يمكن لهذا التقاطع الاعترافي أن يشكل مدخلا أساسيا لمصالحة حقيقية بدلا من الاكتفاء بـ مصالحة منقوصة محكومة بهاجس الأمن القومي.
الخلاصة
إن تأجيل معالجة ملف المعتقلين السلفيين ضمن مقاربة شاملة لجبر الضرر يعكس تحديا معقدا يتقاطع فيه التاريخي بالأمني بالمجتمعي. إن النجاح في دمج هذا الملف في مسار العدالة الانتقالية يتطلب شجاعة سياسية لفصل المسألة الحقوقية عن المسألة الأمنية وجهدا مدنيا لبناء توافق عابر للانقسامات الإيديولوجية. إن الرهان الأساسي لا يقتصر على طي صفحة الماضي بل على تحويل المعتقلين السلفيين إلى فاعلين مدنيين يساهمون في تقوية الجبهة الداخلية ضد التطرف العنيف مما يمنح المغرب نموذجا فريدا يجمع بين الاستقرار الأمني والعدالة الحقوقية والمجتمعية.
المراجع
[1] تقارير المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية حول ظروف اعتقال ومحاكمة المعتقلين السلفيين بعد 2003.
[2] الخطاب الرسمي للدولة المغربية حول مكافحة الإرهاب والتعامل مع ملفات التطرف.
[3] دراسات سوسيولوجية حول الذاكرة الجماعية المغربية وتأثير تفجيرات 2003.
[4] المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، خاصة اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
إرسال التعليق