تحولات هيئة تحرير الشام: من الثورة إلى الدولة
تحولات هيئة تحرير الشام: من الثورة إلى الدولة
رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
مقدمة
يمثل مسار هيئة تحرير الشام (HTS)، بقيادة أحمد الشرع (المعروف سابقا بأبي محمد الجولاني)، أحد أكثر التحولات إثارة للجدل والاهتمام في تاريخ الحركات الجهادية المعاصرة. فمن تنظيم كان فرعا رسميا للقاعدة في سوريا إلى قوة عسكرية تخلت عن “الجهاد العالمي” لصالح مشروع حكم محلي في إدلب وصولا إلى قيادة تغيير سياسي جذري في دمشق يقدم هذا المسار نموذجا فريدا لدراسة آليات التكيف والبقاء والتحول الأيديولوجي. تطرح هذه الدراسة سؤالا محوريا: هل تحول هيئة تحرير الشام هو انحراف تكتيكي أم مراجعة استراتيجية جذرية تعيد تعريف مستقبل السلفية الجهادية؟
أولا: المراحل المفصلية للتحول
يمكن تقسيم مسار الهيئة إلى ثلاث مراحل رئيسية تعكس كل منها تغيرا في العقيدة والاستراتيجية:
-
جبهة النصرة (2012-2016): الولاء للقاعدة والجهاد الشامي: في هذه المرحلة، كانت الجبهة تمثل الامتداد الرسمي لتنظيم القاعدة، بهدف إسقاط نظام الأسد وإقامة حكم إسلامي. تميزت هذه الفترة بالولاء المعلن لأيمن الظواهري، والتركيز على العمل العسكري والتوسع في الأراضي السورية.
-
جبهة فتح الشام (2016-2017): فك الارتباط التكتيكي: في خطوة مفاجئة أعلن الجولاني فك الارتباط التنظيمي مع القاعدة. كان الهدف من هذه الخطوة التي وصفت بالبراغماتية هو إزالة الذرائع الدولية لاستهداف الفصيل والسعي نحو قبول محلي أوسع عبر تقديم التنظيم كقوة سورية وطنية.
-
هيئة تحرير الشام (2017-حتى قيام الدولة): مشروع الدولة المحلية: شكل تأسيس الهيئة عبر دمج فصائل أخرى بداية التحول نحو الحكم المحلي. تخلت الهيئة تدريجياعن الخطاب السلفي الجهادي الصارم لصالح خطاب “سني محافظ” أكثر عمومية. وركزت على بناء مؤسسات حكم الأمر الواقع كما وقع في إدلب مثل “حكومة الإنقاذ” التي تولت إدارة الخدمات والقضاء والأمن والاقتصاد. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الاسم، بل إعادة توجيه للهدف الأساسي: من الثورة إلى بناء الدولة.
ثانيًا: دوافع التحول: بين البراغماتية السياسية والضغط المجتمعي
يمكن تفسير هذا التحول العميق من خلال عاملين متكاملين:
-
غريزة البقاء: أدرك الجولاني أن الاستمرار في نموذج “الحرب الدائمة” الذي تبناه تنظيم “داعش” سيؤدي حتمًا إلى فناء فصيله. لذلك، اختار مسارا براغماتيا يقوم على التكيف مع الواقع الدولي والإقليمي، والانتقال من المواجهة المفتوحة إلى التفاوض غير المباشر والتنسيق، خاصة مع تركيا. هذا التوجه سمح له بالحفاظ على كيانه وتوسيعه.
-
البحث عن الشرعية الاجتماعية: بدلا من الشرعية المستمدة من “الجهاد العالمي”، سعى الجولاني إلى بناء شرعية متجذرة في المجتمع المحلي بإدلب. يرى باحثون مثل باتريك هيني وجيروم دريفون أن ضغط المجتمع المحلي وتفاعله مع الهيئة كان له دور محوري في “نزع الطابع السلفي” عنها وإجبارها على تقديم تنازلات أيديولوجية مقابل الاستقرار والقبول. هذا ما يطلقان عليه التحول بفعل الشعب
إرسال التعليق