رصدالمغرب / عبدالله السعدي
أعاد النائب البرلماني أحمد تويزي إلى الواجهة واحدة من أكثر الملفات حساسية في السياسة الزراعية المغربية، بعدما كشف تحت قبة البرلمان عن اتهامات خطيرة تفيد بأن بعض الشركات تطحن الأوراق بدل الحبوب، في حين تستفيد من دعم عمومي ضخم يقدر بـ16 مليار درهم دون مراقبة فعالة أو مساءلة.
مداخلة تويزي لم تمر مرور الكرام، إذ إنها سلطت الضوء على اختلالات محتملة في منظومة دعم الحبوب، التي تعتبر من ركائز الأمن الغذائي الوطني، لأنه حين يتحدث برلماني عن “طحن الأوراق بدل القمح”، فإن الأمر لا يتعلق فقط بفضيحة مالية، بل أيضا بتهديد مباشر لصحة المواطن وبمؤشرات خطيرة على فشل منظومة المراقبة داخل قطاعات استراتيجية.
وفي خضم كل ذلك، توجه انتقادات لاذعة لعدد من المؤسسات، بدءا بوزارة الفلاحة التي التزمت الصمت، مرورا بوزارة الصحة التي تغرد خارج السرب، وصولا إلى المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونصا)، الذي وصف أداءه بالجامد لا قبل ولا بعد، كما لم يسلم من الانتقادات جمعيات حماية المستهلك التي اتهمت بـالتهريج للاستفادة من الريع، في إشارة إلى عجز المجتمع المدني عن القيام بدوره الرقابي الحقيقي.
تصل ميزانية دعم الحبوب إلى 16 مليار درهم سنويا، وهو رقم ضخم يعكس حجم الرهانات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذا القطاع، حيث أن هذا الدعم، بحسب العديد من المراقبين، ظل محاطا بالغموض وضعف الشفافية، مما فتح الباب أمام شبهات الاستفادة غير المشروعة والتلاعب في جودة المنتجات.
واللافت أن رد الحكومة لم يأت بعد، رغم خطورة الاتهامات التي تستدعي تحركا عاجلا، سواء عبر فتح تحقيق قضائي مستقل أو تفعيل أجهزة المراقبة والمحاسبة، لأن الصمت في مثل هذه القضايا، يفسر أحيانا كنوع من التواطؤ الصامت أو العجز المؤسساتي، وهو ما يهدد ثقة المواطن في المنظومة الرقابية برمتها.
القضية التي فجرها تويزي ليست مجرد ملف مالي، بل تعكس خللا هيكليا في إدارة الدعم العمومي، وتطرح سؤالا أعمق حول مدى نجاعة السياسات الحكومية في حماية الأمن الغذائي وضمان سلامة ما يستهلكه المغاربة، حيث إذا صحت الاتهامات، فإننا أمام جريمة مزدوجة، وهي نهب المال العام من جهة، وتعريض صحة المواطنين للخطر من جهة أخرى.
إن ما كشف عنه تويزي يجب ألا يظل مجرد تصريح برلماني عابر، بل بداية نقاش وطني حول حكامة الدعم العمومي وفعالية أجهزة المراقبة والمحاسبة في المغرب، لأن المؤسسات لا تختبر في زمن الهدوء، بل حين تهب العواصف، وعاصفة “طحن الأوراق بدل الحبوب” قد تكون اختبارا حقيقيا لمدى جدية الدولة في محاربة الفساد وحماية المواطن.
Share this content:






















Leave a Reply