قراءة نقدية لبيان المندوبية العامة للسجون وإعادة الإدماج حول وضعية المعتقلين بسلا وتيفلت
قراءة نقدية لبيان المندوبية العامة للسجون وإعادة الإدماج حول وضعية المعتقلين بسلا وتيفلت
رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
المقدمة
أصدرت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بياناً توضيحياً رداً على بيانات متداولة بخصوص وضعية بعض المعتقلين، تحديداً السجين طارق اليحياوي بالسجن المحلي بسلا والسجين محمد الجرودي بالسجن المحلي تيفلت 2. يهدف هذا التحليل النقدي إلى تفكيك لغة البيان، وتسليط الضوء على النقاط التي ظلت مبهمة أو غير مبررة بشكل كافٍ، ومقارنتها بالمعايير الدولية لحقوق السجناء، لا سيما قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) [1].
أولاً: تحليل وضعية السجين طارق اليحياوي
ركز بيان المندوبية على تبرير الإجراءات المتخذة ضد السجين اليحياوي، مستنداً إلى ملفه السلوكي وتصنيفه الأمني. ومع ذلك، يثير البيان العديد من التساؤلات النقدية:
- غموض التهم والإجراءات التأديبية
استخدم البيان عبارات فضفاضة لتبرير الإجراءات العقابية، مما يفتقر إلى الشفافية المطلوبة في تدبير المؤسسات السجنية:
- تهمة “حيازة الممنوعات”: أشار البيان إلى أن السجين “معروف بسوء سلوكه ومحاولاته المتكررة لحيازة الممنوعات داخل المؤسسات السجنية، وكان آخرها بتاريخ 10 ماي 2023”. غير ان المنذوبية لم تحدد طبيعة هذه الممنوعات. هل هي مواد خطرة، أم مجرد وسائل اتصال، أم مواد غير مصرح بها؟ إن عدم التحديد الدقيق يقلل من مصداقية التبرير، خاصة وأن قواعد نيلسون مانديلا (القاعدة 36) تفرض أن تكون المخالفات التأديبية محددة بوضوح في القانون [1].
- مبرر “السلوك السيئ” و”السلوك العدواني”: بررت المندوبية ترحيله التأديبي بتاريخ 10 أبريل 2025 من السجن المحلي الرماني إلى سلا بـ “سلوكه العدواني وسعيه لخلق الفوضى”. إن الاعتماد على توصيفات عامة مثل “السلوك السيئ” أو “العدواني” دون ذكر المخالفة التأديبية المحددة التي تمت معاقبته عليها يفتح الباب أمام التفسير الذاتي للإدارة، ويتعارض مع مبدأ الشرعية والتناسب في العقوبات التأديبية.
- مسألة التقييد (التصفيد)
جاء في بيان المندوبية العامة للسجون أنّ التصفيد يُعتمد “عند إخراج السجين لأي غرض” باعتباره إجراءً وقائياً روتينياً، خاصة بالنسبة للمعتقلين المصنفين ضمن الفئة “ألف”. غير أن هذا التبرير يتعارض بوضوح مع مقتضيات القاعدة 48 من قواعد نيلسون مانديلا، التي تنص على أنّ استخدام أدوات التقييد لا يجوز إلا في حالات محددة وضيقة، وهي: منع الفرار أثناء النقل، أو لأسباب طبية، أو لمنع السجين من إيذاء نفسه أو الآخرين.
إنّ تعميم التصفيد كإجراء روتيني لأي غرض، حتى داخل محيط المؤسسة السجنية، يتنافى مع مبدأ الضرورة القصوى والتناسب الذي تُقرّه المعايير الدولية، ويحوّل وسيلة استثنائية إلى ممارسة دائمة. كما أنّ القاعدة 49 تؤكد ضرورة أن يكون أي استخدام لأدوات التقييد محدود المدة والهدف، وأن يخضع لتقييم فردي لكل حالة.
أما الإشارة إلى أنّ هذه الممارسات تندرج ضمن “الإجراءات المعمول بها داخل الحي المخصص للسجناء المصنفين صنف ‘ألف'”، فهي الأخرى محل انتقاد، إذ إنّ القاعدة 47 من نفس الوثيقة الدولية تنص صراحة على عدم جواز استخدام أدوات التقييد كإجراء عقابي أو تمييزي. وبالتالي، فإنّ التصنيف الأمني للسجين لا يمكن أن يشكل مبرراً كافياً لتطبيق التقييد بشكل دائم أو جماعي، بل يجب أن يُبنى القرار على تقدير موضوعي وفردي للمخاطر في تلك اللحظة المحددة، وفق معايير مهنية وإنسانية تحترم الكرامة المتأصلة في كل شخص.
وعليه، فإنّ ما ورد في بيان المندوبية، وإن اتخذ طابعاً تنظيمياً وإدارياً، يظلّ في حاجة إلى مراجعة تتوافق مع روح ومقتضيات قواعد نيلسون مانديلا، التي تجعل من حماية الكرامة الإنسانية للسجين محوراً لكل إجراء أمني أو تأديبي داخل المؤسسات السجنية.
ثانياً: تحليل وضعية السجين محمد الجرودي
تطرق البيان لوضعية السجين الجرودي المعتقل بتيفلت 2 بشكل مقتضب، حيث اقتصر على الإشارة إلى إضرابه عن الطعام ليوم واحد بتاريخ 24 شتنبر 2025 وفكه للإضراب في نفس اليوم.
- الإهمال الصحي والتعليمي
أشار البيان إلى أن السجين تقدم بإشعار إضراب عن الطعام “لأسباب رفض الإفصاح عنها”، متجاهلاً الشكاوى الأساسية المتعلقة بوضعيته:
- الرعاية الصحية: تشير عائلة الجرودي في بيان لها إلى معاناة السجين من أمراض متعددة (مرض في الرأس، القلب، الضغط) ورفض الإدارة إخراجه للمستشفى إلا بعد إضرابات. هذا يتعارض بشكل مباشر مع القاعدة 24 من قواعد نيلسون مانديلا التي تنص على حق كل سجين في الحصول على أفضل رعاية صحية ممكنة، مماثلة لتلك المتاحة لعامة الناس [1]. كما أن القاعدة 26 تؤكد على ضرورة استقلالية الطاقم الطبي عن إدارة السجن لضمان اتخاذ القرارات الصحية دون ضغوط إدارية.
- الحق في التعليم: اشارت العائلة إلى منع السجين من إتمام دراسته في الماستر رغم حصوله على أربع إجازات. هذا يتعارض مع روح القاعدة 104 التي تشجع على التعليم والتدريب المهني كجزء أساسي من إعادة الإدماج الاجتماعي للسجناء. إن منع سجين ذي كفاءة تعليمية عالية من متابعة دراسته يُعد عقبة أمام أهداف الإصلاح والإدماج التي تدعيها المؤسسات السجنية.
- وضعية السجناء الإسلاميين
المعتقلين الإسلاميين “يعانون الأمرين” منذ مجيء المندوب العام الحالي. ورغم أن بيان المندوبية لم يتطرق إلى هذا التصنيف، فإن هذا النقد يوجه إلى مبدأ عدم التمييز في معاملة السجناء (القاعدة 2)، التي تحظر التمييز على أساس الرأي السياسي أو أي وضع آخر [1]. إن وجود شكاوى متكررة بخصوص فئة معينة من السجناء يستدعي تحقيقاً إدارياً مستقلاً لضمان تطبيق القواعد على الجميع دون محاباة أو تضييق.
ثالثاً: نقد مسألة “التصنيف على النموذج الأمريكي”
نفى البيان ادعاء تدبير السجون وفقاً لتصنيف على النموذج الأمريكي، مؤكداً أن التصنيف المعمول به يتم وفقاً لنظام منصوص عليه في القانون المنظم للسجون.
- رغم نفي المندوبية، فإنها لم تقدم تفاصيل واضحة حول آليات التصنيف المعتمدة، واكتفت بالقول إنه يأخذ بعين الاعتبار “نوعية السجناء، سواء فيما يخص مدى انضباطهم ومدى خطورتهم”. إن الشفافية تتطلب نشر تفاصيل هذا التصنيف (مثل تصنيف “ألف”)، والمعايير الموضوعية التي تستند إليها، والإجراءات التي يمكن للسجين من خلالها الطعن في تصنيفه أو طلب مراجعته. إن غياب هذه التفاصيل يترك المجال مفتوحاً للشكوك حول مدى موضوعية التصنيف وخلوه من أي تأثيرات سياسية أو أمنية غير مبررة.
الخلاصة
نعتبر بيان المندوبية العامة للسجون، رغم كونه رداً رسمياً، إلا أنه يفتقر إلى التفاصيل الجوهرية والشفافية اللازمة لتفنيد الادعاءات بشكل كامل. لقد اعتمد البيان على لغة عامة (سوء السلوك، الممنوعات) لتبرير إجراءات عقابية (الترحيل، التقييد)، دون تقديم الأدلة الملموسة التي تضمن التناسب والشرعية.
إن النقاط المثارة حول التقييد الروتيني للسجين اليحياوي، والإهمال الصحي والتعليمي للسجين الجرودي، تتطلب توضيحات إضافية وإجراءات تصحيحية تتماشى مع المعايير الدولية، خاصة قواعد نيلسون مانديلا التي تضع كرامة السجين وحقه في الرعاية الصحية والإدماج في صدارة الأولويات.
المراجع
[1] مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. (2016). قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا). https://www.unodc.org/documents/justice-and-prison-reform/GA-RESOLUTION/A_ebook.pdf
إرسال التعليق