آخر الأخبار

موجات مغادرة غير مسبوقة من إسرائيل بعد مناورات إيرانية

موجات مغادرة غير مسبوقة من إسرائيل بعد مناورات إيرانية

رصد المغرب / عبد الله السعدي


تشهد إسرائيل في الأيام الأخيرة موجات مغادرة واسعة عبر مطار بنغوريون، في مشهد بدا لكثيرين أقرب إلى خروج جماعي منه إلى حركة سفر اعتيادية، حيث اللافت في هذه الظاهرة لا يقتصر على أعداد المغادرين، بل يمتد إلى توقيت المغادرة ذاته، إذ بدأت بشكل مباشر عقب المناورات الصاروخية الواسعة التي نفذتها إيران.

هذه المناورات لم تقرأ في إسرائيل على أنها استعراض عسكري تقليدي، بل كرسالة ردع محسوبة تعيد خلط الحسابات الأمنية في المنطقة، لأن ما جرى داخل إيران خلال الساعات الماضية شكل أكبر اختبار صاروخي تشهده البلاد منذ سنوات، ونفذ في عدة محافظات من بينها طهران وأصفهان ومشهد وخرم‌آباد، حيث أطلقت القوات الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني سلسلة صواريخ دقيقة شملت منظومات باليستية وكروز، إضافة إلى أنظمة متوسطة وبعيدة المدى.

غير أن الثقل الحقيقي لهذا الحدث لم يكن في الصواريخ نفسها، بل في ما أُعلن لاحقا، وهو الكشف عن مدينة صاروخية ضخمة تحت الأرض تمتد في عمق الجغرافيا الإيرانية، والتي تضم ـ وفق البيانات الرسمية ـ آلاف الصواريخ الجاهزة للإطلاق، من طرازات سبق استخدامها في حرب الأيام الاثني عشر، وأخرى كشف عنها للمرة الأولى.

الرسالة الإيرانية وفق مراقبين، لم تكن تقنية فقط، بل سياسية واستراتيجية من الدرجة الأولى، مفادها أن القدرات العسكرية لم تعد مكشوفة أو محصورة فوق الأرض، وأن أي سيناريو مواجهة مقبل لن يكون شبيها بما سبقه.

بعد ساعات قليلة فقط من هذا الاستعراض، بدأت مشاهد المغادرة تتوسع في تل أبيب ومدن أخرى، في تطور دفع الأجهزة الإسرائيلية ـ ولو بشكل غير معلن ـ إلى إعادة ترتيب تقديراتها الداخلية حتى قبل صدور أي بيان عسكري رسمي.

ومع اتساع حالة القلق، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريح مباشر حاول من خلاله تهدئة الداخل، مؤكدا أن إسرائيل تتابع المناورات الإيرانية بدقة، وأن المؤسسة الأمنية تمتلك القدرة الكاملة على الرد والردع متى ما تطلب الأمر. لكنه في الوقت ذاته وجه رسالة تهديد واضحة إلى طهران، قال فيها إن إسرائيل لن تتردد في اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية أمنها، وإن أي محاولة لفرض معادلات جديدة في المنطقة ستجابه برد مناسب.

نبرة الخطاب، بحسب الإعلام العبري، كشفت حجم الحرج الذي سببته التطورات الأخيرة، لا سيما بعد الإعلان عن المدينة الصاروخية تحت الأرض، حيث رغم تأكيد نتنياهو أن إسرائيل “لا تنجر خلف الاستفزازات” وأن “الوضع تحت السيطرة”، فإن تصريحاته لم تنه الجدل، بل فتحت بابا واسعا للنقاش حول طبيعة الرسائل الإيرانية الجديدة، وما إذا كانت قد نقلت المواجهة إلى مستوى مختلف تماما.

وفي الذاكرة الإسرائيلية، لا تزال حرب الاثني عشر يوماحاضرة بقوة، وهي أيام طويلة من صفارات الإنذار، والملاجئ المكتظة، والبيوت التي تطفئ أنوارها ليلا بانتظار الانفجار التالي، حيث كانت تجربة تعلم فيها المجتمع الإسرائيلي كيف يتحول الخوف إلى روتين يومي، وكيف يصبح الاستيقاظ على صوت الإنذار أمرا مألوفا لا يحتاج إلى تفسير، واليوم، ومع تصاعد التوتر والمناورات الصاروخية والتهديدات المتبادلة، يعود السؤال ذاته ليطرق الأبواب، وهو هل تعود تلك الأيام؟ وهل تفتح الدائرة التي ظن كثيرون أنها أُغلقت؟

مصادر إسرائيلية نقلت عن نتنياهو قوله إن القدرات النووية والصاروخية الإيرانية ستكون محور نقاش مباشر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشددا على أن أي عمل عدائي يصدر من إيران أو من حلفائها سيقابل برد “شديد وواضح وصارم” لكن خلف التصريحات السياسية، تتحدث شهادات مغادرين عن شعور مختلف: “لسنا جبناء، لكننا تعبنا. الحياة هنا أصبحت كمن يجلس فوق برميل بارود. لا نعرف متى ينفجر. لا نحتمل أن نعيش تلك الأيام مرة أخرى”.
وبين الضوضاء العسكرية والرسائل المتبادلة، تبقى المخاوف الإسرائيلية اليوم أعمق من مجرد صاروخ محتمل، بل إنها الخشية من لحظة يدرك فيها الناس أن ما اعتقدوا أنه انتهى قد يكون على وشك العودة، وربما بصورة أشد قسوة.

إرسال التعليق