في كل محطة انتخابية، يتجدد داخل أوساط اليسار سؤال قديم بقدر ما هو ملح، وهو هل يجري فعلا تقييم حصيلة العمل البرلماني بعد نهاية كل ولاية تشريعية؟ وهل يتوقف اليسار عند ما حققه وما خسره من مقعد أو مقعدين، أو حتى من تشكيل فريق برلماني؟ ثم الأهم من ذلك، هو ماذا يربح المشروع السياسي لليسار من هذا الحضور داخل المؤسسة التشريعية، وماذا يمكن أن يربح ((نظريا على الأقل)) حتى من عدم التواجد فيها؟
هذه الأسئلة لا تأتي بالضرورة من موقع الدعوة إلى المقاطعة، بقدر ما تنبع من الحاجة إلى مراجعة سياسية هادئة لمسار بات يبدو، في كثير من الأحيان، وكأنه تحول إلى عرف راسخ داخل عدد من الأحزاب اليسارية. فمع مرور الوقت، صار الخط الانتخابي يحتل موقع الصدارة في التفكير والتنظيم والقرار، إلى حد أن الحسابات المرتبطة بالدوائر الانتخابية والتحالفات الممكنة أصبحت في أحيان كثيرة محددا رئيسيا لوجهة النقاش داخل الحزب.
لا شك أن الحضور داخل البرلمان يوفر منبرا سياسيا وإعلاميا لا يستهان به. فحتى مقعد واحد قد يمنح فرصة لطرح قضايا اجتماعية، أو مساءلة السياسات الحكومية، أو إيصال صوت فئات اجتماعية لا تجد دائما تمثيلاً كافيا داخل المؤسسات. غير أن هذا الحضور يفقد كثيرا من معناه إذا لم يقاس بمدى تأثيره الحقيقي في السياسات العمومية، أو بقدرته على تعزيز حضور الحزب في المجتمع، وليس فقط داخل قبة البرلمان.
المعضلة التي يطرحها بعض المناضلين والمراقبين تكمن في أن العمل الانتخابي، الذي يفترض أن يكون مجرد أداة ضمن أدوات متعددة للنضال السياسي، قد يتحول تدريجيا إلى محور العمل كله. وعندما يحدث ذلك، يصبح النجاح السياسي مرادفا تقريبا لعدد المقاعد المحصل عليها، بينما تتراجع أسئلة أعمق تتعلق ببناء القوة الاجتماعية، وتنشيط العمل النقابي والمدني، وصياغة مشروع مجتمعي واضح وقادر على التعبئة.
في هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة طرح سؤال الجدوى، هو هل يخدم الحضور البرلماني المشروع السياسي لليسار بالفعل، أم أنه يتحول أحيانا إلى غاية في حد ذاته؟ وهل يظل البرلمان فضاءا من بين فضاءات متعددة للفعل السياسي، أم يصبح المركز الذي تدور حوله كل الاستراتيجيات؟
إن طرح هذه الأسئلة لا ينبغي أن يفهم كدعوة إلى الانسحاب من المؤسسات أو إلى تبني خيار المقاطعة، بقدر ما هو دعوة إلى تقييم جدي لتجربة طويلة من المشاركة. تقييم يوازن بين المكاسب الرمزية والمؤسساتية من جهة، وبين الحاجة إلى الحفاظ على حيوية المشروع اليساري في المجتمع من جهة أخرى.
فالأحزاب، خصوصا تلك التي تنطلق من مرجعية تغييرية، لا تقاس قوتها فقط بعدد المقاعد التي تحصدها في الانتخابات، بل أيضا بقدرتها على التأثير في النقاش العمومي، وبمدى حضورها في النسيج الاجتماعي، وبقدرتها على تقديم بدائل سياسية واقتصادية واضحة. ومن هنا، فإن مراجعة العلاقة بين العمل البرلماني والعمل المجتمعي يظل شرطا أساسيا لأي يسار يسعى إلى تجديد نفسه واستعادة دوره التاريخي.
إرسال التعليق