بين استعراض القوة الروسية وارتباك الردع الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عاشت أوروبا على قناعة راسخة مفادها أن الحرب الشاملة أصبحت من الماضي، وأن القارة العجوز دخلت عصرا من “السلام المحمي”، حيث كان هذا الاطمئنان يستند إلى ثلاثة أعمدة رئيسية، وهي حلف شمال الأطلسي كقوة ردع جماعي، والكلفة الاقتصادية الباهظة لأي حرب واسعة، والأخيرة وربما الأهم، وهو السلاح النووي الذي جعل فكرة المواجهة المباشرة ضربا من الجنون السياسي.
لكن هذا اليقين الذي صمد لعقود، بدأ يتآكل تدريجيا، حيث التصريحات الصادرة مؤخرا عن وزير الدفاع الألماني، والتي تحدث فيها عن حرب محتملة بين الناتو وروسيا بوصفها “حتمية مؤجلة”، لم تكن مجرد زلة لسان أو قراءة متشائمة، بل عكست تحولا لافتا في الخطاب الأوروبي الرسمي. فحين يصبح الخلاف ليس حول إمكانية الحرب بل حول موعدها، فإننا نكون أمام مرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي، عنوانها الغموض والقلق وانعدام اليقين بوجود روسيا ورسائل القوة الخشنة.
وفي المقابل، لا تبدو موسكو معنية بتخفيف هذا القلق، حيث إعلانها عن أضخم مناورات نووية استراتيجية منذ سنوات، وتفعيل “الثالوث النووي” برا وبحرا وجوا، لا يمكن فصله عن سياق المواجهة المفتوحة مع الغرب. إطلاق صاروخ “يارس” العابر للقارات، وتحريك الغواصات النووية، وتحليق قاذفات “سو-95”، كلها ليست تدريبات عسكرية عادية، بل رسائل سياسية مشفرة بعناية.
الرسالة الروسية واضحة، وهي القدرة على التدمير الشامل ما زالت قائمة، والزر النووي مهما كان استخدامه مستبعدا، لا يزال حاضرا في الحسابات، حيث هذا النوع من الاستعراض لا يستهدف إشعال حرب بقدر ما يهدف إلى ترسيخ الردع عبر التخويف، وتذكير الخصوم بأن أي انزلاق غير محسوب قد يكون مكلفا إلى حد لا يمكن تصوره، ومنطقة البلطيق هي الشرارة المحتملة.
غير أن أخطر ما في المشهد ليس المناورات النووية بحد ذاتها، بل الاحتكاكات المتكررة في مناطق التماس، وعلى رأسها دول البلطيق، لأن حادثة اختراق الأجواء الإستونية سواء كانت متعمدة أم نتيجة خطأ ملاحي، فهي تعكس نمطا متصاعدا من السلوكيات التي يصنفها خبراء الأمن تحت مسمى “التصعيد تحت العتبة”.
هذا النوع من التصعيد لا يهدف إلى الحرب المباشرة، بل إلى اختبار ردود الفعل، واستنزاف الخصم نفسيا وسياسيا، وقياس جاهزيته العسكرية، حيث المشكلة أن اللعب في هذه المنطقة الرمادية يحمل دائما خطر الخطأ، وهو خطأ في التقدير، أو سوء فهم، أو رد فعل مبالغ فيه، قد يحول حادثا محدودا إلى أزمة كبرى،
الناتو قوي، لكنه منقسم، ومن جهة أخرى، لا يبدو حلف الناتو في أفضل حالاته. صحيح أن الحلف لا يزال يتمتع بتفوق عسكري نوعي، لكن الانقسامات السياسية حول الإنفاق الدفاعي، وتفاوت الأولويات بين أعضائه، تضعف صورة الردع الموحد، حيث الجدل حول نسب الإنفاق، والضغوط الداخلية في عدد من الدول الأوروبية، يعكسان حالة تردد قد تفسرها موسكو على أنها فرصة للمناورة، فهل نحن على أعتاب حرب كبرى؟
الجواب الأقرب للواقعية، هو ليس بعد، ولكن الطريق لم يعد مطمئنا، ولا أحد في موسكو أو بروكسل يريد حربا شاملة، ولا أحد مستعد لدفع ثمن مواجهة نووية، ومع ذلك فإن تراكم الاستفزازات، وعودة لغة القوة، وتآكل قنوات الثقة، كلها عوامل تجعل المشهد أكثر هشاشة مما كان عليه قبل سنوات قليلة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار متعمد بإشعال حرب عالمية ثالثة، بل في الانزلاق غير المقصود إليها، حيث أوروبا اليوم لا تعيش حربا، لكنها بالتأكيد لم تعد تعيش سلاما مريحا. وبين هذين الحدين، تتحدد ملامح مرحلة عنوانها القلق الاستراتيجي، حيث يكفي خطأ واحد، في زمان أو مكان خاطئ، لتغيير شكل العالم.
إرسال التعليق