آخر الأخبار

حين تتحوّل شعارات حقوق الإنسان إلى صمتٍ رسمي: شهادة من قلب الظلم المنسي

حين تتحوّل شعارات حقوق الإنسان إلى صمتٍ رسمي: شهادة من قلب الظلم المنسي

رصد المغرب 

اليوم العالمي لحقوق الإنسان

العدالة الغائبة للمعتقلين الإسلاميين

في هذا اليوم الذي يرفع فيه العالم شعارات الكرامة والحرية ويحتفل بما يسميه اليوم العالمي لحقوق الإنسان نقف نحن على الجانب الآخر من الصورة نقف عند الحقيقة التي لا يريد كثيرون سماعها حقيقة أبرياء سلبت حقوقهم ودمرت حياتهم وحياة عائلاتهم ودفعت بهم إلى ظلمات السجون دون ذنب سوى أنهم كانوا الحلقة الأضعف في زمن الخوف والمزايدات

نقف اليوم لا لنبكي الماضي بل لنكشف الحقيقة ولنصرخ من أجل العدالة التي غابت وغاب معها ميزان الحق

أيها السادة أيها الحقوقيون أيها الشرفاء

أقف أمامكم لا أحمل خطابا سياسيا ولا رواية مزخرفة بل أحمل تجربة قاسية عشتها يوما بيوم وساعة بساعة تجربة اعتقال وتعذيب ومحاكمة ظالمة امتدت لخمس عشرة سنة قلبت حياتي وحياة أسرتي رأسا على عقب

كلنا نتذكر أحداث ستة عشر ماي تلك الأحداث التي بقيت لغزا غامضا لم يكشف من يقف خلفها بينما اتجهت الدولة إلى الحل الأسهل اعتقال مئات الشباب المتدين وتحويلهم إلى أكباش فداء في لحظة رعب وارتباك سياسي وأمني

كنت واحدا من هؤلاء الأبرياء كنت رجلا بسيطا أعيش بين أهلي في أمن واستقرار وفجأة يتحول البيت الهادئ إلى ساحة اقتحام وصراخ كأنني أخطر مجرم في البلاد

كل ما وجدوه في بيتي كتب دينية مطبوعة في المغرب ومتاحة في المكتبات لكن فجأة أصبحت دليلا على الإرهاب وأصبحت العلاقات البسيطة مع شباب الحي شبهة تستحق الاعتقال

منذ تلك اللحظة بدأت رحلتي مع الجحيم في المعارف ثم في تمارة حيث التعذيب بكل أنواعه ضرب إهانة سحل تعليق تهديد أيام بلا نوم ساعات بلا ماء ولا طعام جسدي تغير لونه من العنف الشديد وأصبت في عيني اليسرى وأنا اليوم أعاني من آلام في الرأس والرجلين والعمود الفقري

أهلي لا يعرفون أين أنا يعيشون الرعب والبكاء والمحامون يخافون الاقتراب من الملف وأنا أوقع على محضر لم أقرأه وأنا معصب العينين لا قوة لي على الرفض

وحين نقلت إلى سجن عين برجة صدمت من الواقع زنازين ضيقة متسخة صراصير وطوبات منع للكلام منع للتواصل غياب للتطبيب وإهانة لا تتوقف

جلسات المحاكمة كانت سريعة بلا وقت للدفاع ومع ذلك صدر الحكم المؤبد كان وقع الحكم أقسى من التعذيب كدت أفقد عقلي وبصري لولا رحمة الله

بعد الحكم بدأت رحلة أخرى إضرابات عن الطعام مطالب بسيطة كرامة تطبيب تغذية تقريب للعائلة لكن إدارة السجون كانت تجيب بالقمع الضرب العزل الانفرادي الترحيل الإهانات

كانت السنوات تمشي مثل الجمر كل يوم أشد من الذي قبله العائلات أمام السجون تبكي وتتألم وإدارة السجون لا تبالي ولا ترحم

مات والدي رحمه الله ووعدوني أن أخرج لوداعه ولم يفعلوا وعد مثل كثير من الوعود التي ضاعت مثل حقوقنا التي ضاعت

خرجت بعد خمس عشرة سنة وأنا إنسان آخر جسد منهك نفسية محطمة أمراض متعددة خرجت من السجن الصغير إلى السجن الأكبر مجتمع ينظر إلي بشك يضيق علي في الرزق يرفضني في العمل يخاف مني رغم براءتي

كنت أصدق شعارات التعويض والإدماج لكن ما وجدته كان عكس ما قيل لا تعويض لا إدماج لا دعم لا اعتبار مجرد تهميش وفقر ونظرات اتهام وإعاقة اجتماعية دائمة

عائلة أنهكها الفقر وأنا أصبحت عبئا عليها بدل أن أكون سندا لها

أيها السادة ما أقول هنا ليس قصة فرد واحد بل قصة مئات من الأبرياء الذين ذاقوا مرارة السجون والتعذيب والظلم سنوات طويلة وما زالوا بعد الإفراج يعيشون سجنا أكبر اسمه التهميش والإقصاء

نحن لا نطلب أمورا مستحيلة نحن نطلب العدالة نطلب كشف الحقيقة نطلب جبر الضرر نطلب رد الاعتبار نطلب محاسبة من أمر ومن نفذ ومن تستر على التعذيب

نطلب أن يعترف الوطن بأبنائه الذين ظلموا ظلما فادحا

هذه صرختي وهذه شهادتي وهذه الأمانة التي أضعها بين أيديكم في اليوم العالمي لحقوق الإنسان لأن الإنسانية ليست شعارات تعلق على الجدران بل مواقف ترد الحق لأصحابه وتعيد الكرامة لمن سلبت منه

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إرسال التعليق