رصد المغرب /
لم يكن ذلك المواطن الذي لفظ أنفاسه الأخيرة أمام باب مستشفى ابن باجة في مدينة تازة المغربية مجرد رقم جديد يضاف إلى سجلات الوفيات، ولم يكن خبرا عابرا في شريط الأخبار أو مادة للتداول لساعات قليلة على مواقع التواصل الاجتماعي. كان إنسانا من لحم ودم، يحمل أحلاما صغيرة مثلنا جميعا، ويؤمن ربما أن باب المستشفى هو آخر أبواب النجاة حين تضيق به الحياة.
حين يموت مواطن أمام مؤسسة يفترض أنها وجدت لحماية الحياة، فإن السؤال لا يكون فقط هو من المسؤول؟ بل يصبح السؤال الأعمق والأشد إيلاما، هو ماذا مات فينا جميعا؟ وهل مات جزء من الوطن مع ذلك المواطن؟
الوطن ليس مجرد حدود مرسومة على الخريطة، ولا أناشيد تردد في كأس العالم، ولا خطابات رسمية تتحدث عن الإنجازات. الوطن هو ذلك الشعور بالأمان الذي ينتاب المواطن حين يمرض فيجد سريرا، وحين يتألم يجد طبيبا، وحين يستغيث يجد من يمد له يد العون. فإذا انهارت هذه المعاني، يصبح الموت أمام باب المستشفى أكثر من وفاة فرد، بل إنه جرح يصيب الثقة الجماعية في معنى الدولة ومعنى المواطنة.
قد تختلف الروايات حول تفاصيل الحادث، وقد تتعدد التفسيرات والمسؤوليات، لكن الثابت أن صورة إنسان يسقط أمام باب العلاج تبقى أقوى من كل البيانات والتبريرات. إنها صورة تختصر مأساة أسرة فقدت عزيزا.
ليس المطلوب أن نعلن وفاة الوطن كلما وقعت مأساة، فالأوطان أكبر من أخطاء المؤسسات وأقوى من تعثر السياسات. لكن المطلوب أن نتوقف عند هذه الحوادث بما تستحقه من صدق ومحاسبة وإصلاح. فالوطن لا يموت حين تقع الأخطاء، بل حين نعتادها. لا يموت حين نواجه الاختلالات، بل حين نتعايش معها ونعتبرها قدرا لا مفر منه.
رحم الله ذلك المواطن الذي غادر الدنيا أمام باب كان ينتظر أن يفتح له طريق الحياة. ولعل أفضل وفاء لذكراه ألا يتحول رحيله إلى خبر يطويه النسيان، بل إلى ناقوس يذكر الجميع بأن كرامة الإنسان ليست شعارا يرفع، بل حقا يجب أن يصان.
فحين يموت مواطن أمام باب المستشفى، لا يموت الوطن كله، لكنه يتلقى جرحا عميقا. والسؤال الذي يبقى معلقا في ضمير الجميع، هو كم من الجراح يستطيع الوطن أن يتحمل قبل أن يفقد أبناؤه الثقة في قدرته على حمايتهم؟
شارك المقال























Leave a Reply