في ظل تصاعد القلق العالمي من مستويات الدين العام في الولايات المتحدة، عادت إلى الواجهة دعوات رمزية تحث المواطنين على المساهمة في تخفيف العبء المالي، في مشهد يعكس حجم التحدي أكثر مما يقدم حلاً عملياً له. وتداولت بعض المنصات مؤخراً فكرة دونالد ترامب، يدعو الأمريكيين إلى التبرع للمساعدة في خفض الدين، إلا أن هذه المبادرة تبقى محدودة التأثير ضمن واقع اقتصادي معقد.
إن الولايات المتحدة اليوم تواجه دينا عاما يتجاوز 38 تريليون دولار، وهو رقم يواصل الارتفاع بوتيرة سريعة تقدر بمليارات الدولارات يوميا. هذا التضخم ليس وليد لحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة شملت تمويل حروب خارجية، وتطبيق سياسات خفض ضريبي، والتعامل مع أزمات مالية متلاحقة، وصولا إلى تداعيات جائحة كورونا التي فرضت إنفاقا حكوميا غير مسبوق.
وفي هذا السياق، يبرز موقع (Pay.gov) كمنصة حكومية تتيح للمواطنين التبرع طوعا لصالح الخزينة العامة، ضمن برنامج يعرف بـ“الهدايا لتقليل الدين العام”. ورغم رمزية هذه الخطوة، فإن أثرها المالي يكاد لا يذكر مقارنة بحجم الدين، إذ لم تتجاوز إجمالي التبرعات عبر عقود سوى مبالغ محدودة للغاية.
فاقتصاديا، لا يمكن التعويل على التبرعات كأداة لمعالجة اختلالات هيكلية بهذا الحجم. فالتحدي الحقيقي يكمن في الفجوة المستمرة بين الإيرادات والإنفاق، إلى جانب الضغوط المتزايدة الناتجة عن شيخوخة السكان وارتفاع كلفة برامج الاستحقاقات الاجتماعية، مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.
وعلى الصعيد الدولي، يراقب كبار حاملي السندات الأمريكية، وعلى رأسهم اليابان والمملكة المتحدة والصين، تطورات الدين بعناية. فكل سند خزانة يشترى يعد بمثابة تصويت على الثقة في الاقتصاد الأمريكي، بينما يشكل ارتفاع العوائد مؤشرا على تزايد المخاطر أو القلق في الأسواق.
ورغم التحذيرات المتكررة، لا تزال الولايات المتحدة بعيدة عن سيناريو “الإفلاس” التقليدي، نظرا لقدرتها على إصدار ديون بعملتها الخاصة، وهيمنة الدولار على النظام المالي العالمي. غير أن استمرار الاتجاه التصاعدي للدين دون إصلاحات جوهرية قد يفرض تحديات كبرى مستقبلا، سواء على صعيد الاستقرار المالي أو الثقة الدولية.
فدعوات التبرع إن وجدت، فإنها تعكس بعدا رمزيا أكثر منها حلا فعليا، وتسلط الضوء على معضلة اقتصادية عميقة تتطلب قرارات سياسية جريئة، لا مبادرات فردية محدودة الأثر.
إرسال التعليق