رصد المغرب / محمد سلامي (عضو التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد)
يبدو أن كلا من الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي يستعدان، بحسب الخطاب المتحمس لبعض أنصارهما، لـ”اكتساح” الانتخابات البرلمانية المقبلة لشتنبر 2026، عقب المصادقة على التحالف الانتخابي بينهما بعد ما وصف بالدورات التنظيمية الأخيرة داخل الحزبين. غير أن هذا الخطاب الاحتفالي يقابله، داخل عدد من الأوساط اليسارية والقواعد التنظيمية، غضب وانتقادات حادة تعتبر أن ما يجري لا يعكس بناء مشروع سياسي متماسك بقدر ما يعكس تدبيرا ظرفيا لأزمات داخلية متراكمة ومحاولة للهروب إلى الأمام بدل مواجهتها.
وجاء الإعلان عن هذا التحالف بعد عقد دورة استثنائية داخل فيدرالية اليسار، وما سمي داخل الحزب الاشتراكي الموحد بـ”الشوط الثاني” لدورة خامسة للمجلس الوطني تفتقد للنصاب القانوني. وبالرغم من إقفال الدورة إياها بإصدار بيان ختامي، اختار المكتب السياسي التحكمي اليميني المقرصن للحزب “بدعة تنظيمية” في شكل شوط ثان لم يتم الحديث في البيان الختامي، ضاربين عرض الحائط لروح الديمقراطية الداخلية. في المقابل عقدت فيدرالية اليسار دورة استثنائية لمجلسها الوطني. وقد صادقت قيادتا الحزبين على الاتفاق الانتخابي قبل تزكيته رسميا يوم 10 ماي 2026، في أجواء أثارت الكثير من الجدل داخل القواعد التنظيمية.
في هذا، فإن “تيار اليسار الجديد المتجدد”، يعتبر قرارات الدورة الخامسة للمجلس الوطني فاقدة للشرعية الديمقراطية والمشروعية السياسية والتنظيمية. ويرى أن اللجوء إلى هذه صيغة ” شوط ثان” لدورة أقفلت لم يكن سوى هروب من فقدان النصاب القانوني ومحاولة لتمرير قرار جاهز ومنح غطاء شكلي لتحالف محسوم سلفا.
كما يعتبر توجيه الدعوة لكتاب الفروع بصفة “ملاحظين” وأيضا تزامن اللقاء مع انعقاد ما سمي بـ” المجلس الوطني لقطاع التعليم” بنفس مكان انعقاد بدعة الشوط الثاني هما فقط من أجل ملء القاعة وضمان الحضور العددي والتصفيق لقرارات جاهزة، فيما يمكن وصفه بأنه “مسرحية مكتملة الأدوار”، حولت الحضور إلى أداء مزدوج لدوري “المهرج والمتفرج”، باعتبارهم جزءا من عملية المصادقة وفي الوقت نفسه جمهورا مطلوبا منه منح الشرعية لقرار غير ديمقراطي.
وترى عديد من أصوات معارضة من داخل الحزبين أن هذا التحالف لا يعكس تقاربا سياسيا عميقا، بقدر ما هو ترتيب ظرفي لتجاوز أزمات تنظيمية داخلية، خصوصا داخل الحزب الاشتراكي الموحد الذي يشهد توترات متزايدة وصعود تيارات نقدية داخل قواعده، وأساسا تيار اليسار الجديد المتجدد الذي بات يحظى بحضور متنام داخل عدد من الفروع والقطاعات.
وتعتبر التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد أن التحالف استخدم أيضا كأداة لإعادة ضبط التوازنات الداخلية وإضعاف الأصوات المنتقدة بدل فتح نقاش ديمقراطي حقيقي حول مستقبل المشروع اليساري. كما تذهب الانتقادات إلى أن توزيع الدوائر الانتخابية والتزكيات لم يتم وفق معايير الشفافية وتكافؤ الفرص، بل خضع لمنطق التوازنات الداخلية والولاءات الشخصية.
ويؤكد منتقدون أن عددا من المناضلين الجادين تم استبعادهم أو تهميشهم بسبب مواقفهم النقدية، بينما تم تقديم أسماء أخرى لاعتبارات تنظيمية داخلية لا علاقة لها بالكفاءة أو الاستحقاق السياسي. ويرى هؤلاء أن شعارات الديمقراطية الداخلية أصبحت تستعمل للاستهلاك الخطابي فقط، في وقت يجري فيه التحكم في الترشيحات والتوازنات لخدمة مراكز النفوذ داخل التنظيمين على أساس الولاءات والقرابات.
وفي ظل هذا الوضع، ترى أصوات غاضبة أن هذا المسار لا يقود إلى إعادة بناء اليسار وتقويته، بل إلى “انتحار سياسي وتنظيمي” قد يدفع الجميع ثمنه لاحقا. فبدل التسرع نحو تحالف انتخابي مع طرف كان إلى وقت قريب ينظر إليه كخصم سياسي وتحمله بعض الأصوات مسؤولية جزء من تعثرات انتخابات 2021، كان الأولى معالجة الأعطاب الداخلية وفتح نقاش سياسي وتنظيمي جدي حول أسباب التراجع وفقدان الثقة داخل الحزب الاشتراكي الموحد.
ويذهب بعض الغاضبين إلى اعتبار أن استمرار الصمت داخل هذه المرحلة لا يمكن قراءته كحرص على الوحدة، بل كاستسلام تدريجي لمسار يرونه يقود نحو تآكل سياسي وتنظيمي. ويتساءلون: أين هم الرفاق الحكماء القادرون على تنبيه القيادة إلى أخطائها قبل فوات الأوان؟ وأين الأصوات التي كان يفترض أن تمارس النقد الداخلي وتمنع الانزلاق نحو قرارات متسرعة قد تعمق الأزمة بدل حلّها؟
وفي النهاية، يرى هذا التيار النقدي أن ما يحدث اليوم داخل التحالف ليس مجرد خطوة انتخابية، وإنما اختبار حقيقي لمدى قدرة اليسار على تجديد نفسه ديمقراطيا قبل خوض أي رهان انتخابي، وإلا فإن النتائج قد تعمق أزمته بدل أن تفتح له أفقا جديدا.
شارك المقال























Leave a Reply