الأزواد والجماعات الجهادية في الساحل: تقاطعات الصراع وحدود التحالف

رصد المغرب/حاوره ابراهيم الصغير      


حوار مع الصحفي النيجيري: حسن يوسف زرما، و هو باحث ومحلل متخصص في قضايا السياسة والاقتصاد والشؤون الأمنية، بمنطقة الساحل الإفريقي.

1هل تعد قضية الأزواد ملفا مستقلا عن التطورات والأحداث الأمنية والسياسية الأخيرة في منطقة الساحل أم أنها جزء من التحولات الإقليمية الجارية؟

 تعتبر قضية الأزواد قضية ذات جذور تاريخية عميقة تعود لستينيات القرن الماضي، فهي منفصلة من حيث أهدافها القومية (الحكم الذاتي أو الاستقلال) لكنها في ذات الوقت مرتبطة عضوياً بالأحداث الأخيرة لعدة أسباب منها:

 – انهيار اتفاق الجزائر للسلام وعودة المواجهات العسكرية.

 – انسحاب القوات الدولية ودخول فيلق أفريقيا كطرف جديد في الصراع.

 – تداخل جغرافيا الأزواد مع مناطق نشاط التنظيمات المتطرفة والجيش المالي.

2-إذا كانت الحركات الأزوادية تخوض صراعا ضد الدولة المالية من منطلقات قومية وانفصالية في حين تقاتل التنظيمات الجهادية كتنظيم القاعدة وتنظيم داعش الدولة نفسها من منطلقات عقائدية عابرة للحدود فما طبيعة العلاقة بين هذه الفواعل المسلحة؟ وهل نحن أمام عدو مشترك بأهداف مختلفة أم أمام صراع مركب تتداخل فيه التناقضات والتحالفات المرحلية؟

نحن أمام صراع ثلاثي الأبعاد، وجود عدو مشترك (النظام المالي) لا يعني وجود تحالف بين الأزواديين والتنظيمات المتطرفة، وذلك لاختلاف الأهداف:

الأزواديون: مشروعهم وطني محصور في إقليمهم للحصول على حقوق سياسية.

التنظيمات المتطرفة: مشروعهم عابر للحدود يهدف لإقامة إمارة إسلامية وإسقاط الدولة بالكامل.

   لذا، يقع الصدام بينهما بشكل حتمي للسيطرة على الأرض والشرعية الشعبية، ويستغل النظام هذا التضارب لضرب خصومه ببعضهم.

3- ما هي نقاط الإلتقاء والاختلاف بين الأزواديين وتنظيمات كـ جبهة ماسينا و جماعة نصرة الإسلام والمسلمين؟

نقاط الإلتقاء: العداء المشترك للجيش المالي و فاغنر، الرفض لسلطة باماكو المركزية، والتداخل القبلي والاجتماعي (خاصة وأن بعض قادة هذه التنظيمات هم أزواديون سابقون).

 نقاط الاختلاف: تختلف المرجعيات، فالأزواديون مرجعيتهم سياسية حقوقية يسعون لاعتراف دولي، بينما الجماعات المتطرفة مرجعيتها أيديولوجية ترفض القوانين الدولية. كما يبرز الخلاف العرقي أحياناً بين ماسينا (عرقية الفلاني) والحركات الأزوادية (طوارق وعرب) حول الموارد والأراضي.

4هل هناك مقاتلون مغاربة في هذه التنظيمات؟

نعم، يتواجد مقاتلون مغاربة في المنطقة، وتاريخياً انخرطوا في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحالياً يتواجدون في صفوف نصرة الإسلام و تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية الساحل. غالباً ما يشغلون أدواراً في اللجان الشرعية، الإعلام، والتدريب العسكري، أو يعملون كعناصر ميدانية في مناطق المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

5هل لهؤلاء المقاتلين علاقة بحوادث استهداف الشاحنات المغربية؟

العلاقة وظيفية وليست بالضرورة مباشرة، تنظيم الدولة الإسلامية هو المتهم الرئيسي بهذه الهجمات لأسباب تمويلية وسياسية. ووجود مقاتلين مغاربة داخل هذه التنظيمات يسهل العمليات من خلال:

 – تقديم معلومات لوجستية عن القوافل المغربية.

 – القدرة على استنطاق السائقين المغاربة (وحدة اللغة واللهجة).

 – المساهمة في التخطيط لضرب المصالح الاقتصادية لدولتهم الأم كنوع من الانتقام من التنسيق الأمني المغربي الدولي.

6ما هي الرسائل الموجهة للمغرب من حوادث استهداف شاحناته؟

تحمل الهجمات رسائل من أطراف متعددة:

– رسالة من التنظيمات: محاولة ضرب القوة الناعمة المغربية وإظهار طرق الساحل كبيئة غير آمنة للاستثمار.

 – عرقلة المشاريع الاستراتيجية: تهدف لتعطيل مبادرة الأطلسي التي أطلقها المغرب لربط دول الساحل بالمحيط.

 – رسالة سياسية: الضغط على الرباط بسبب دورها النشط في مكافحة الإرهاب والتحولات الدبلوماسية الأخيرة.

7هل لسحب اعتراف مالي بـ البوليساريو علاقة بالأحداث الأخيرة؟

نعم، العلاقة وثيقة جداً. سحب الاعتراف (في 2026) جاء نتيجة:

– القطيعة مع الجزائر: مالي أرادت التحرر من النفوذ الجزائري الذي تراه تدخلاً في شؤونها.

-البحث عن بديل استراتيجي: التقارب مع المغرب للحصول على دعم أمني واقتصادي (منفذ الأطلسي).

 – وحدة الأراضي: باماكو رأت تناقضاً في محاربة الانفصال شمالاً ودعم جبهة انفصالية ضد المغرب، فقررت تبني مبدأ السيادة والوحدة الترابية كعقيدة جديدة لمواجهة تحدياتها الداخلية.

8- كيف يمكن تحليل مستقبل الحركات الثورية والجهادية في منطقة الساحل في ظل التحولات الجيوسياسية والأمنية الراهنة خاصة مع تصاعد الانقلابات العسكريةوتراجع النفوذ الغربي وتنامي الفاعلين المحليين والإقليميين؟ وهل تتجه هذه الحركات نحو مزيد من التمدد وإعادة التشكل أم نحو التفكك والتحول إلى أنماط صراع جديدة؟

يمكن تحليل مستقبل الحركات في الساحل باختصار، ضمن ثلاثة محاور رئيسية:

 واقع الحركات بين التمدد وإعادة التشكل:

الحركات الجهادية: تتجه نحو التمدد والتموضع الاجتماعي، مستغلة غياب الدولة لتقديم نفسها كبديل إداري وقضائي، مع نقل ثقلها من الشمال إلى الوسط والجنوب نحو دول خليج غينيا.الحركات الثورية (الأزواد): تتجه نحو إعادة التشكل الدفاعي، بعد انهيار اتفاقات السلام، عادت للهوية القتالية الصرفة لحماية وجودها العرقي، وهي الآن في مرحلة حرب استنزاف ضد الجيش وحلفائه.

تأثير المتغيرات الجيوسياسية:

الانقلابات العسكرية أدت لتبني مقاربات أمنية خشنة بدعم روسي، مما أضعف فرص الحل السياسي وزاد من حدة الاستقطاب القبلي.

تراجع النفوذ الغربي خلق فراغاً لوجستياً، لكنه سحب من الجهاديين ذريعة قتال المستعمر، محولاً الصراع إلى مواجهة محلية-محلية.

 سيناريوهات المستقبل:

السيناريو الأول (اللبننة): تفتت المنطقة إلى كانتونات نفوذ (مناطق عرقية للثوار، طرق تجارة للجهاديين، ومدن كبرى للنظام)

السيناريو الثاني (التحور الإجرامي): تحول الحركات إلى عصابات جريمة منظمة تسيطر على مناجم الذهب وتهريب البشر للبقاء مالياً.

السيناريو الثالث (الصدام البيني): استنزاف الجماعات لبعضها البعض (القاعدة ضد داعش)، وهو ما يراهن عليه النظام، لكنه يهدد بانهيار النسيج الاجتماعي تماماً.

في الختام نحن لا نتجه نحو تفكك هذه الحركات، بل نحو أنماط صراع أكثر تعقيداً، حيث تصبح هذه الجماعات جزءاً من البنية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، مما يجعل الحل العسكري وحده غير كافٍ.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *