الحزب الاشتراكي الموحد وفضيحة الشوط الثاني من الدورة الخامسة للمجلس الوطني

رصد المغرب / ربيع الكرعي (عضو تيار اليسار الجديد المتجدد)


في الأدبيات التنظيمية للأحزاب الديمقراطية، يُعدّ المجلس الوطني بمثابة “برلمان الحزب”؛ الفضاء الذي تُمارَس فيه السيادة الداخلية، وتُحسم عبره الاختيارات السياسية والتنظيمية الكبرى وفق قواعد واضحة: النصاب، التداول، التصويت، واحترام الإرادة الجماعية. غير أنّ ما جرى في الشوط الثاني من الدورة الخامسة للمجلس الوطني لـ الحزب الاشتراكي الموحد يطرح أسئلة عميقة حول معنى هذه السيادة وحدودها داخل التنظيم.

حسب المعطيات المتداولة وسط مناضلات ومناضلي الحزب، فإن الشوط الأول انعقد دون توفر النصاب القانوني، وهو ما كان يستوجب ـ تنظيميا وأخلاقيا ـ إرجاء أي حسم إلى حين استيفاء الشروط الشكلية والموضوعية. غير أن الإصرار على عقد الشوط الثاني وتمرير قرار سياسي بحجم “التحالف الانتخابي” في ظل حضور لا يتجاوز ـ في أقصى التقديرات ـ 44 عضوا، بينهم كتاب فروع إقليمية ومحلية، حوّل المسألة من مجرد خلل تنظيمي إلى ما يشبه “الواقعة السياسية” داخل الحزب.

من السيادة الشعبية إلى سيادة القيادة

لطالما رفع الحزب شعار السيادة الشعبية، واعتبرها جوهر مشروعه السياسي في مواجهة السلطوية والتحكم. لكن المفارقة التي تبرز هنا هي انتقال من الدفاع عن سيادة المجتمع إلى الالتفاف على سيادة الهيئات داخل التنظيم نفسه. فكيف يمكن إقناع الرأي العام بمشروعية الدفاع عن الديمقراطية خارجيا، في الوقت الذي تُفرَّغ فيه الديمقراطية الداخلية من مضمونها؟

إن احترام النصاب ليس تفصيلا تقنيا، بل هو جوهر الممارسة الديمقراطية. فالنصاب يرمز إلى الحضور الجماعي، إلى التمثيلية، وإلى مشروعية القرار. وعندما يُتجاوز، يتحول القرار إلى تعبير عن إرادة أقلية تُقدَّم كأنها إرادة الأغلبية.

التحالف الانتخابي: قرار سياسي أم تمرير تنظيمي؟

التحالفات الانتخابية ليست قرارات عادية؛ إنها اختيارات استراتيجية تمس هوية الحزب وتموقعه في الحقل السياسي. ولذلك يفترض أن تُناقَش في أوسع إطار تمثيلي، وأن تُحسم في ظروف تضمن مشاركة فعلية لأعضاء المجلس الوطني.

تمرير هذا القرار في ظروف الحضور الضعيف يُفقده مشروعيته المعنوية، حتى وإن تم تغليفه شكليا بمحاضر وتصويت. فالمسألة هنا ليست في “الوثيقة”، بل في “الروح الديمقراطية” التي يفترض أن تؤطرها.

عندما يتحول الشعار إلى أداة

السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل أصبحت شعارات السيادة الشعبية والديمقراطية الداخلية مجرد أدوات خطابية تُستعمل عند الحاجة، بينما الممارسة الفعلية تسير في اتجاه معاكس؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تنظيم يساري ديمقراطي ليس الهجوم الخارجي، بل التآكل الداخلي لقيمه المؤسسة. لأن فقدان المصداقية الداخلية يسبق دائما فقدان المصداقية المجتمعية.

أزمة أعمق من واقعة

ما حدث ليس مجرد حادث عرضي، بل هو عرض لمرض تنظيمي أعمق: تضخم دور القيادة مقابل تراجع دور الهيئات، تحويل المؤسسات إلى واجهات شكلية، وتهميش الإرادة الجماعية حين تتعارض مع اختيارات مسبقة.

وهو ما يعيد طرح سؤال قديم داخل اليسار المغربي: هل نحن أمام أحزاب ديمقراطية بالفعل، أم أمام تنظيمات تُدار بمنطق “القيادة تعرف أكثر”؟

نحو استعادة المعنى

إن استعادة الثقة داخل الحزب تمر عبر الاعتراف بالخلل، وفتح نقاش تنظيمي وسياسي صريح حول احترام المساطر، وتحديد المسؤوليات، وضمان ألا تتحول المؤسسات إلى مجرد ديكور ديمقراطي.

فالمجلس الوطني ليس قاعة اجتماع، بل هو تجسيد لإرادة المناضلين والمناضلات. والسيادة لا تتجزأ: إما أن تكون مبدأ يُحترم في الداخل كما في الخارج، أو تتحول إلى مجرد شعار للاستهلاك.

في النهاية، قد تمر القرارات، لكن أثرها على الوعي التنظيمي والمناضل يبقى. لأن المناضلين لا ينسون بسهولة اللحظات التي يشعرون فيها أن صوتهم لم يعد يعني شيئا داخل تنظيم كانوا يعتبرونه بيت الديمقراطية

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *