رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي
ملخص الدراسة
تناول هذه الدراسة نظرية التغيير عند المفكر الفلسطيني منير شفيق، متتبعة مساره الفكري الحافل بالتحولات العميقة من الماركسية اللينينية إلى الفكر الإسلامي. تركز الدراسة على مفهوم (العدو البنيوي) وربط الأنبياء بفكرة الدولة كنموذج تغييري يتجاوز السرد التاريخي التقليدي. كما تسعى الدراسة للإجابة على سؤال جوهري: لماذا تفشل نظريات التغيير في العالم العربي والإسلامي؟ وذلك من خلال تحليل نقدي للواقع العربي المعاصر ومقارنته بالأطر النظرية التي طرحها شفيق في كتابه (في نظريات التغيير).
مقدمة
منير شفيق هو أحد أبرز المفكرين العرب الذين خاضوا غمار التجربة النضالية والفكرية بجدية استثنائية. تميز مساره بقدرة فائقة على النقد الذاتي والمراجعة، حيث انتقل من قمة التنظير الماركسي الثوري إلى رحاب الفكر الإسلامي، دون أن يفقد بوصلته الثورية أو أدواته التحليلية الرصينة. إن (نظرية التغيير) عند شفيق ليست مجرد ترف فكري، بل هي حصيلة اشتباك مستمر مع الواقع الاستعماري والتبعية الحضارية.
تكمن أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على الإبداع الفكري لشفيق في مرحلتيه، وكيف استطاع توظيف المنهج التحليلي في فهم السنن الكونية والاجتماعية للتغيير، مع التركيز على أطروحته المتميزة حول (ربط كل نبي بدولة)، والتي تمثل قفزة نوعية في فهم التاريخ الديني كحركة تغييرية اجتماعية وسياسية.
المحور الأول: منير شفيق والماركسية.. إبداع التنظير الثوري
حين نتأمل المرحلة الماركسية في مسار منير شفيق، فإننا لا نكون أمام تجربة انتماء أيديولوجي عابر أو تقليد فكري لنماذج جاهزة، بل أمام محاولة عميقة لإعادة إنتاج الماركسية داخل سياق مختلف تماما عن بيئتها الأصلية. فقد أدرك شفيق مبكرا أن نقل النظرية كما هي، دون تفكيكها وإعادة تركيبها، لا يمكن أن يفضي إلى مشروع تحرري حقيقي في الواقع العربي، وخاصة في الحالة الفلسطينية التي تتداخل فيها الأبعاد الطبقية بالقومية والدينية والتاريخية. من هنا جاء تميزه، إذ لم يتعامل مع الماركسية كعقيدة مغلقة، بل كأداة تحليل قابلة للتطوير والتكييف.
لقد كان جوهر إبداعه في قدرته على ربط التحليل الطبقي بسياق التحرر الوطني، حيث لم يفصل بين الصراع ضد الاستعمار الصهيوني والصراع الاجتماعي الداخلي، بل سعى إلى دمجهما في رؤية واحدة تعتبر أن التحرر الوطني لا يمكن أن يكتمل دون وعي بالبنية الطبقية، وفي المقابل لا معنى لأي صراع طبقي في ظل غياب السيادة الوطنية. هذا الدمج لم يكن شائعا في الأدبيات الماركسية العربية التي غالبا ما وقعت في أحد اختزالين: إما تغليب البعد الطبقي على حساب القضية الوطنية، أو العكس. أما شفيق فحاول تجاوز هذا التوتر عبر بناء تصور مركب، يرى في القضية الفلسطينية بؤرة تتقاطع فيها التناقضات الطبقية والقومية معا.
وفي جانب التنظيم، لم يكن اهتمامه بالحزب الثوري مجرد استنساخ لنموذج الحزب اللينيني، بل كان يسعى إلى إعادة تعريفه بما يتلاءم مع واقع المقاومة. فالحزب عنده ليس جهازا بيروقراطيا مغلقا، بل أداة نضالية متحركة، تتغذى من الشارع وتعيد توجيهه في الان نفسه. لذلك ركز على فكرة (المقاومة الشعبية) باعتبارها الامتداد الطبيعي لأي تنظيم ثوري حقيقي، رافضا الفصل بين العمل الجماهيري والعمل النخبوي. وهذا يعكس وعيا مبكرا بخطورة تحول الأحزاب إلى كيانات معزولة عن قواعدها الاجتماعية، وهي الإشكالية التي عانت منها كثير من التنظيمات اليسارية العربية.
أما على مستوى النقد، فقد تميز بجرأة واضحة في مواجهة الجمود العقائدي داخل الأحزاب الشيوعية التقليدية، حيث انتقد نزعتها إلى التقديس النصي وإهمال الواقع، ورأى أن هذا الجمود هو أحد أسباب فشلها في قيادة مشاريع تحرر حقيقية. لم يكن نقده من خارج المنظومة، بل من داخلها، وهو ما يمنحه قيمة مضاعفة، لأنه يعكس محاولة إصلاحية تسعى إلى إنقاذ الفكرة لا هدمها. لقد كان يدرك أن الخطر الأكبر على أي نظرية ليس في خصومها، بل في أتباعها الذين يحولونها إلى عقيدة جامدة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن شفيق لم يكن (ماركسيا) بالمعنى المدرسي، بل كان مفكرا حركيا يوظف الماركسية كأداة ضمن مشروع أوسع للتحرر. وهذا ما يفسر لماذا لم يغرق في التجريد النظري، بل ظل مرتبطا بالميدان، يرى في الفكر وسيلة للفعل لا غاية في ذاته. إن تميزه الحقيقي يكمن في هذا التوازن الدقيق بين النظرية والممارسة، بين التحليل والالتزام، وهو ما جعل مرحلته الماركسية ليست مجرد محطة فكرية، بل تجربة تأسيسية أثرت في تحولات لاحقة في مساره، دون أن تفقد قيمتها الذاتية كإسهام مستقل في الفكر العربي المعاصر.
المحور الثاني: التحول نحو الإسلامية.. استمرارية الإبداع وتعميق الرؤية
يشكل انتقال منير شفيق من الماركسية إلى الإسلام لحظة فكرية مركبة لا يمكن فهمها بمنطق القطيعة، بل بمنطق الاستيعاب والتجاوز. فالرجل لم يتخل عن هاجس التغيير ولا عن حسه النقدي، وإنما أعاد تأصيلهما داخل مرجعية حضارية أوسع، تستوعب البعد الروحي والرمزي الذي ظل غائبا أو مهمشا في التحليل الماركسي. لقد أدرك أن أي مشروع تغييري في المجال العربي الإسلامي لا يمكن أن ينجح إذا ظل مفصولا عن البنية العميقة للوجدان الجمعي، حيث تتداخل العقيدة بالتاريخ، والرمز بالسياسة، والانتماء الديني بالهوية الوجودية. من هنا لم يكن الإسلام عنده مجرد بديل إيديولوجي، بل إطارا كليا يعيد تعريف الإنسان والسلطة والمجتمع في آن واحد.
في كتابه في نظريات التغيير، يتعامل شفيق مع الأنبياء لا بوصفهم شخصيات وعظية أو نماذج أخلاقية مجردة، بل باعتبارهم قادة تاريخيين لحركات تغييرية مكتملة الأركان، امتلكت رؤية، وقاعدة اجتماعية، ومشروعا للسلطة. وهذا التحليل يفتح أفقا مختلفا لفهم الدين، حيث يتحول من مجال الطقوس إلى مجال الفعل التاريخي. فالنبوة، في هذا التصور، ليست مجرد تبليغ، بل هي أيضا تأسيس لنظام جديد يعيد ترتيب العلاقات داخل المجتمع، ويعيد تعريف الشرعية السياسية ذاتها. ومن هنا تأتي فكرة (ربط كل نبي بدولة)، ليس بمعنى الدولة بمفهومها البيروقراطي الحديث، بل بمعنى الكيان المنظم الذي يجسد القيم في واقع مؤسسي.
إن الشمولية التي يتحدث عنها شفيق تتجاوز الطرح التقليدي الذي يحصر الدين في المجال التعبدي، لتؤكد أن الرسالة الدينية تحمل في جوهرها مشروعا حضاريا يسعى إلى إعادة تشكيل العمران البشري وفق منظومة قيمية متكاملة. وهذا المعنى يتجلى بوضوح في تجربة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، حيث لم تتوقف الرسالة عند حدود الدعوة الفردية، بل تحولت إلى بناء مجتمع سياسي في المدينة، أعاد صياغة مفاهيم السلطة، والعدل، والانتماء. إن هذه التجربة تقدم نموذجا تاريخيا لفكرة التداخل بين الدعوي والسياسي، بين الأخلاقي والمؤسسي، وهو ما يجعلها قابلة للاستحضار كمرجعية في أي تفكير معاصر في التغيير.
أما فكرة (المواجهة الحتمية) فتنبع من فهم عميق لطبيعة الصراع التاريخي. فكل مشروع تغييري، سواء كان دينيا أو وضعيا، يصطدم بالضرورة ببنية قائمة تستمد شرعيتها من مصالح مادية ورمزية. وهذا ما يسميه شفيق (العدو البنيوي)، أي ذلك الكيان الذي لا يعارض المشروع الجديد فقط لأسباب ظرفية، بل لأنه يمثل نقيضه الوجودي. ويمكن استحضار نماذج تاريخية مثل صراع موسى مع فرعون، حيث لم يكن الصراع مجرد خلاف سياسي، بل كان مواجهة بين تصورين للسلطة: سلطة تستمد مشروعيتها من التأليه والقهر، وسلطة تستند إلى التحرير والعبودية لله وحده. هذا البعد يجعل من الصراع جزءا بنيويا في عملية التغيير، وليس مجرد عرض طارئ يمكن تجاوزه بالتوافق أو الإصلاح الجزئي.
وفي هذا السياق، تتبلور الواقعية السياسية عند شفيق، والتي لا تعني البراغماتية المنفلتة من القيم، بل تعني إدراك شروط الفعل في الواقع، والتعامل مع موازين القوى دون التفريط في المقاصد الكبرى. فالنبي، في هذا التصور، ليس حالِما مثاليا، بل فاعل تاريخي يدير الصراع بذكاء، ويوازن بين المبادئ والإمكانات. إن تجربة الهجرة، وبناء التحالفات، وإدارة التدرج في التشريع، كلها تعكس هذا البعد الواقعي الذي يجمع بين الثبات على الهدف والمرونة في الوسائل. وهذا ما يجعل رؤية منير شفيق ذات بعد مقاصدي، حيث لا تفهم الأحكام والإجراءات بمعزل عن غاياتها الكبرى، مثل تحقيق العدل، وصيانة الكرامة، وبناء مجتمع متماسك.
ومن الناحية السياسية، يقدم هذا التصور نقدا ضمنيا للنماذج المستوردة التي تفصل بين الدين والسياسة، أو التي تختزل التغيير في البعد الاقتصادي كما في بعض القراءات الماركسية. فشفيق يرى أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون إعادة بناء الإنسان من الداخل، أي على مستوى القيم والوعي، وهو ما لا تستطيع الإيديولوجيات المادية أن تنجزه بشكل كامل. كما أن هذا التصور يفتح المجال لفهم أكثر تركيبا للدولة، لا باعتبارها جهازا قهريا فقط، بل باعتبارها تجسيدا لمنظومة قيمية تعكس هوية المجتمع.
بهذا المعنى، يمكن القول إن تحول شفيق إلى الإسلام لم يكن تراجعا عن الثورية، بل إعادة تعريف لها على أسس أعمق وأكثر تجذرا في التاريخ والوجدان. لقد انتقل من ثورية تبحث عن العدالة في البنية الاقتصادية إلى ثورية شاملة تسعى إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع والدولة في إطار رؤية حضارية متكاملة، تستلهم التاريخ النبوي، وتستوعب دروس الواقع، وتستشرف إمكانات المستقبل.
المحور الثالث: مفهوم (العدو البنيوي) في فكر منير شفيق
مفهوم (العدو البنيوي) الذي طرحه المفكر الفلسطيني منير شفيق يعتبر إسهاما نظريا عميقا في فهم ديناميكيات التغيير والصراع، إذ يتجاوز التحليلات السطحية التي تختزل العدو في أشخاص أو رموز فردية، ليقدم رؤية مركبة ترى العدو بوصفه منظومة متكاملة من الأفكار والمصالح والعلاقات التي تستفيد من الوضع القائم وتعمل على إعادة إنتاجه واستمراره. فبحسب هذا التصور، لا يتمثل العدو في شخصية تاريخية أو سياسية بعينها، كفرعون أو نمرود، وإنما في بنية متشابكة ذات أبعاد فكرية واجتماعية وسياسية، قادرة على البقاء حتى مع تغيّر الوجوه، لأنها تقوم على شبكة مصالح وقوى تتكامل فيما بينها لضمان دوام النظام القائم ومقاومة كل محاولة جادة للتغيير.
في هذا السياق، تتجلى البنية الفكرية كأحد أهم مكونات العدو البنيوي، إذ تشمل منظومة القيم والأفكار التي تبّر الواقع وتمنحه شرعية، سواء عبر تكريس التبعية الثقافية، أو ترويج نماذج فكرية مشوهة، أو حتى ترسيخ حالة من الهزيمة النفسية التي تعيق تخيل بدائل حقيقية. هذه البنية لا تكتفي بتبرير الواقع، بل تسهم في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيهه بما يخدم استمرارية النظام. أما البنية الاجتماعية فتتمثل في (الملأ) بمفهومه القرآني، أي الفئات المنتفعة من الوضع القائم، والتي ترتبط مصالحها ببقاء هذا النظام، فتتحول إلى قاعدة اجتماعية فاعلة في مقاومة أي مشروع تغييري يهدد امتيازاتها. ويأتي البعد السياسي والأمني ليمنح هذه المنظومة قدرتها التنفيذية، من خلال أجهزة القمع، والمؤسسات الرسمية، والتحالفات الإقليمية والدولية، التي تعمل مجتمعة على حماية النظام وضمان استمراره، بما في ذلك الارتباط بقوى خارجية تستفيد من هذا الوضع وتدعمه.
تكمن أهمية هذا الطرح في كونه يحرر حركات التغيير من وهم التركيز على الأشخاص، ويعيد توجيهها نحو البنى العميقة التي تنتج الاستبداد والتبعية. فالتجارب التاريخية، كما يبين منير شفيق، تظهر أن إسقاط الحاكم أو تغيير الواجهة السياسية دون تفكيك الأسس التي يقوم عليها النظام يؤدي غالبا إلى إعادة إنتاج نفس الأزمة في شكل جديد. ومن هنا، يصبح الوعي بطبيعة العدو البنيوي خطوة أولى وأساسية في أي مشروع تغييري جاد، لأنه يحدد مراكز القوة الحقيقية، ويدفع نحو تبني استراتيجيات شاملة تستهدف تفكيك هذه الشبكات المعقدة بدل الاكتفاء بمظاهرها السطحية.
ويقدم شفيق أمثلة دالة على ذلك، من بينها تحليل الصراع في صدر الإسلام، حيث لم يكن العداء موجها إلى أفراد بعينهم، بل إلى منظومة (الملأ) القرشي التي مثلت بنية اقتصادية واجتماعية وثقافية متكاملة، رأت في الدعوة الإسلامية تهديدا مباشرا لمصالحها. كما يلفت إلى أن كثيرا من الثورات الحديثة أخفقت لأنها لم تتجاوز حدود التغيير الشكلي، إذ لم تمس البنى الاقتصادية أو السياسية المرتبطة بالخارج، فبقي النظام قادرا على إعادة إنتاج نفسه. وفي السياق نفسه، يطرح الكيان الصهيوني بوصفه نموذجا للعدو البنيوي، ليس فقط كقوة احتلال، بل كبنية استعمارية متشابكة مع النظام الدولي، تسهم في تكريس التبعية والتجزئة، ما يجعل مواجهته تتطلب رؤية شاملة تتجاوز البعد العسكري إلى تفكيك دعائمه الفكرية والسياسية والاقتصادية.
ويتسع هذا المفهوم ليشمل تحليلات معاصرة تتجاوز فكرة (الدولة العميقة)، إذ لا يقتصر على شبكات السلطة داخل الدولة، بل يمتد إلى البنى الثقافية والفكرية وعلاقات التبعية الدولية. فالنظم الاستبدادية، مثلا، لا تقوم على شخص الحاكم وحده، بل على منظومة مؤسسية وثقافية متكاملة تشمل أجهزة الأمن، والإعلام، والشبكات الاقتصادية، والقوانين التي تعيد إنتاج الاستبداد. وكذلك الحال في التبعية الاقتصادية والسياسية، التي لا تفهم كعلاقات خارجية فقط، بل كبنية متغلغلة في الداخل، تنتج مصالح محلية مرتبطة بها وتدافع عنها. أما الفساد، فهو بدوره ليس مجرد انحرافات فردية، بل شبكة متكاملة من المصالح والقوانين والثقافات التي تجعله ظاهرة بنيوية يصعب اقتلاعها دون معالجة جذورها العميقة.
إن إدراك هذه الحقيقة يعيد تعريف معنى التغيير، ويخرجه من كونه حدثا سياسيا عابرا إلى كونه عملية تاريخية مركبة تستهدف البنى لا الأشخاص. وبهذا المعنى، فإن الوعي بالعدو البنيوي ليس مجرد تشخيص نظري، بل هو شرط ضروري لنجاح أي مشروع إصلاحي أو ثوري، لأنه يمكن من الانتقال من ردود الفعل السطحية إلى الفعل الاستراتيجي العميق القادر على إحداث تحول حقيقي ومستدام في بنية المجتمع والدولة.
المحور الرابع: لماذا تفشل نظريات التغيير في العالم العربي والإسلامي؟
إشكالية فشل مشاريع التغيير في العالم العربي والإسلامي من القضايا المحورية التي تستدعي تحليلا ، لا سيما في ظل التحديات الراهنة التي تواجه الأمة. يقدم المفكر منير شفيق في أطروحاته، رؤية نقدية معمقة لهذه الظاهرة، مرجعا إياها إلى جملة من الأسباب البنيوية والمنهجية التي تتجاوز السطح السياسي لتلامس جوهر الفكر والممارسة . إن التأمل في هذه الأسباب، كما يرى شفيق، ضروري لوضع رؤية بديلة وفعالة للتغيير المنشود.
من أبرز هذه الأسباب هو ما يسميه شفيق بـ (الانفصام الحضاري)، حيث يرى أن تبني نظريات مستوردة، سواء كانت ليبرالية أو ماركسية، قد أدى إلى فشل ذريع في تحقيق أهدافها. هذه النظريات، على الرغم من جاذبيتها الظاهرية، لم تجد صدى حقيقيا في العمق الثقافي والاجتماعي للجماهير العربية والإسلامية. فالمجتمعات لا يمكن أن تتبنى أفكارا غريبة عن نسيجها القيمي والروحي دون أن تحدث فجوة عميقة بين النخبة المثقفة وعموم الناس. هذا الانفصال يؤدي إلى ضعف الشرعية الشعبية لأي مشروع تغيير يقوم على هذه الأسس، ويجعله عرضة للانهيار عند أول اختبار حقيقي، لأن القاعدة الجماهيرية لا تشعر بالانتماء إليه أو بملكيتها له .
يتجلى سبب آخر في (غياب الوعي بالعدو البنيوي)، حيث يميل الكثيرون إلى الاكتفاء بالصراع السياسي السطحي، وإغفال القوى العميقة والارتباطات الدولية التي تشكل عوائق حقيقية أمام التغيير. يشدد شفيق على أن محاولات النهوض لا تسقط من تلقاء نفسها أو بسبب نواقص داخلية فحسب، بل تسقط بفعل خارجي منظم. لذا، فإن التقييم الحقيقي يجب أن يربط السلبيات الداخلية بالفعل الخارجي، وإشكاليات العقل بواقع التجزئة والسيطرة الخارجية. هذا يتطلب تقديم بديل قوي قادر على مواجهة إشكالية التجزئة والفعل الخارجي، ومعالجة نقاط الضعف الناجمة عن التبعية . إن عدم إدراك طبيعة هذا العدو، الذي قد يكون استعماريا أو هيمنة اقتصادية أو ثقافية، يجعل جهود التغيير تائهة وغير موجهة نحو الأهداف الصحيحة، مما يسهل على القوى الخارجية إجهاض أي محاولة للنهوض.
كما يبرز (الافتقار إلى الصبر الاستراتيجي) كعامل حاسم في فشل مشاريع التغيير. فالرغبة في قطف الثمار السريعة دون المرور بمراحل التغيير الضرورية من وعي وتنظيم ومواجهة، تؤدي إلى استنزاف الجهود وتبديد الطاقات. يرى شفيق أن التغيير عملية تراكمية تتطلب نفسا طويلا وإعدادا محكما، وأن القفز على المراحل أو البحث عن حلول سريعة لا يتماشى مع سنن التغيير الكونية. هذا النقص في الصبر الاستراتيجي يجعل الحركات التغييرية عرضة للإحباط واليأس عند مواجهة العقبات، مما يؤدي إلى تراجعها أو انحرافها عن مسارها الأصلي .
ويشير شفيق إلى (تغييب النموذج النبوي) كأحد الأسباب الجوهرية. فبدلا من دراسة تجارب الأنبياء كـ (قوانين تغيير) اجتماعية وسياسية يمكن استلهامها وتطبيقها، يتم تحويلها إلى مجرد مواعظ دينية لا تتعدى الجانب الوعظي. يؤكد شفيق على أن السيرة النبوية، على سبيل المثال، تمثل عملية تغييرية عظمى قادها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشملت أساليب متعددة من الدعوة والجدال بالتي هي أحسن، إلى بناء القاعدة الآمنة، والتحالفات، والمواجهة عند الضرورة . إن التقاط جوهر هذه التجارب، هو ما يمكن أن يوفر منهجية واضحة للتغيير، مع مراعاة خصوصية كل ظرف ومكان. فالتأسي بالسنة يكون بالتقاط الجوهر لا الشكل، أي كيفية التعاطي مع العوامل الذاتية والموضوعية .
أما التجزئة فهي سبب آخر يعيق التغيير، حيث تواجه الأمة أعداء موحدين بكيانات مجزأة تفتقر إلى التنسيق القومي والإسلامي الشامل. هذه التجزئة تضعف القدرة على المواجهة وتشتت الجهود، مما يجعل كل كيان عرضة للاستهداف والإضعاف بشكل منفرد. إن غياب الرؤية الشاملة والعمل الجماعي على مستوى الأمة يخدم مصالح القوى الخارجية التي تسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة ضعف وتفكك .
في مواجهة هذه التحديات، يقترح منير شفيق (رؤية بديلة للتغيير) تقوم على المزاوجة بين الرؤية الكونية والواقعية الميدانية. هذه الرؤية تستلهم من تجارب الأنبياء كحركات تغييرية، وتقدم إطارا منهجيا للتعامل مع الواقع. إن دراسة هذه التجارب توفر:
أولا، دقة التشخيص، حيث تساعد على التمييز بين العوائق الفكرية والسياسية والحضارية التي تعترض طريق التغيير.
ثانيا، تنوع الوسائل، فلا ينحصر التغيير في صندوق الاقتراع أو العمل المسلح وحده، بل يصبح عملية مركبة تشمل الوعي والبناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
وثالثا، الشرعية الشعبية، التي تنبع من الانطلاق من قيم الأمة ومقدساتها، مما يوفر وقودا للتحرك الجماهيري ويضمن استدامة مشروع التغيير .
إن فشل نظريات التغيير في العالم العربي والإسلامي ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة لأسباب يمكن تشخيصها ومعالجتها. إن أطروحات منير شفيق تقدم إطارا فكريا قيما لفهم هذه الأسباب، وتحديد مسار بديل يقوم على الأصالة والواقعية والصبر الاستراتيجي. إن تبني رؤية شاملة تستلهم من النموذج النبوي، وتدرك طبيعة العدو البنيوي، وتعمل على توحيد الجهود، هو السبيل نحو تحقيق التغيير المنشود الذي يلبي طموحات الأمة ويواجه تحديات العصر .
الخاتمة
إن مسيرة منير شفيق الفكرية تثبت أن الإبداع لا يرتبط بأيديولوجيا معينة بقدر ما يرتبط بصدق البحث عن الحقيقة والالتزام بقضايا الإنسان. لقد أبدع ماركسيا لأنه فهم جوهر الصراع، وأبدع إسلاميا لأنه أدرك منبع القوة الحضارية. إن نظريته في التغيير، القائمة على فهم السنن النبوية كقوانين اجتماعية، تظل خارطة طريق ضرورية لتجاوز حالة الركود والفشل التي تعيشها الأمة.
المراجع
1.شفيق، منير. (2005). في نظريات التغيير. دار الناشر.
2.شفيق، منير. (2021). من جمر إلى جمر: صفحات من سيرة منير شفيق. مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
3.صالح، محسن محمد. (2021). قراءة في ذكريات منير شفيق. مقال منشور في مركز الزيتونة.
4.المسيري، عبد الوهاب. (مراجعات حول الفكر العربي المعاصر والتحولات الأيديولوجية).
5.مركز دراسات الوحدة العربية. (تقارير حول فشل مشاريع النهضة العربية).
6.حجازي، إسلام. (2008). مراجعة نقدية لمستقبل إسرائيل في فكر منير شفيق. جامعة القاهرة.
شارك المقال























Leave a Reply