أربعون يوما من الحرب من انتصر فيها حقا؟

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي


أربعون يوما فقط كانت كافية لتشعل صراعا بين ثلاثة أطراف، خلف آلاف القتلى وأدى إلى تبخر مليارات الدولارات في زمن قياسي. ثم، وبشكل مفاجئ، توقف كل شيء، ليخرج دونالت ترامب معلنا “انتصارا ساحقا”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هو هل انتصرت الولايات المتحدة فعلا؟ أم أن هذا الإعلان يخفي وراءه خسائر أعمق لا تظهر في الخطابات؟

عند النظر إلى لغة الأرقام، التي لا تكذب، تتضح صورة مختلفة تماما. فبحسب تقديرات خبراء من معهد المشروع الأمريكي لأبحاث السياسة العامة (AEI)، بلغت تكلفة خمسة أسابيع فقط ما بين 22 و31 مليار دولار. بينما يشير الباحث مارك كانسيان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)  إلى أن وتيرة الإنفاق وصلت إلى نحو 500 مليون دولار يوميا. غير أن التقديرات الأكثر صدمة جاءت من الباحثة ليندا بيلميس من  جامعة هارفارد، التي ترى أن التكلفة الحقيقية قد تقترب من 2 مليار دولار يوميا.

هذا التفاوت في الأرقام يعود إلى طريقة احتساب التكاليف، إذ يعتمد البنتاغون على أسعار قديمة للذخائر، لا تعكس قيمتها الحالية. فعلى سبيل المثال، صاروخ “توماهوك” تقدر قيمته الدفترية بنحو مليوني دولار، بينما تصل تكلفة استبداله اليوم إلى 3.5 مليون دولار. أما صاروخ “باتريوت”، فيسجل بمليون دولار، لكن إعادة تعويضه قد تكلف خمسة ملايين دولار. هكذا يتضح أن النزيف الحقيقي أكبر بكثير مما يعلن.

أما على المستوى البشري، فالأرقام تحمل قصصا أكثر قسوة. فقد سقط 13 جنديا أمريكيا وأصيب 373 آخرون منذ أواخر فبراير في هجمات استهدفت القوات الأمريكية. وبينما تظهر هذه الأرقام في نشرات الأخبار كإحصاءات مجردة، فإنها في الواقع تعني عائلات مفجوعة وحيوات مدمرة.

ولم تنته الفاتورة بعد. إذ يطالب البنتاغون الكونغرس بميزانية إضافية تصل إلى 200 مليار دولار لتعويض خسائر الحرب. بل إن التوقعات تشير إلى أن الميزانية الدفاعية المقبلة قد تبلغ نحو 1.5 تريليون دولار، أي بزيادة تقارب 50% عن العام السابق، ما يقرب الولايات المتحدة من مستويات إنفاق تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية. وتذهب تقديرات بيلميس إلى أن التكلفة الإجمالية، بما في ذلك رعاية المحاربين القدامى وإعادة بناء القدرات العسكرية، قد تتجاوز تريليون دولار.

وفي المقابل، لم يكن الحلفاء بمنأى عن الخسائر. فقد تكبدت إسرائيل خسائر بشرية، إضافة إلى نزوح آلاف المدنيين من مناطق مختلفة نتيجة القصف، ما أدى إلى شلل في الحياة اليومية وبث الخوف في عمق المجتمع.

أما في إيران، فكان الثمن البشري هو الأكثر فداحة. إذ تشير التقديرات إلى سقوط نحو 1750 قتيلا وأكثر من 22 ألف جريح. ومن بين أكثر المشاهد مأساوية، مقتل مئات الأطفال في قصف استهدف مدرسة في بداية الحرب. كما تعرضت البنية التحتية المدنية لدمار واسع، حيث تضررت عشرات الآلاف من المنشآت، ودمرت مئات المدارس، فيما نزح ملايين الأشخاص داخليا في ظروف إنسانية صعبة.

تكشف هذه الحرب القصيرة عن صورة معقدة، فإيران دفعت الثمن الأكبر في الأرواح، بينما تكبدت الولايات المتحدة وإسرائيل خسائر ضخمة في الاقتصاد والعتاد، إضافة إلى تآكل في الهيبة العسكرية. وبينما يعلن الساسة النصر، تشير الأرقام إلى واقع مختلف عنوانه الاستنزاف. ويبقى السؤال الأهم، هو إذا كانت هذه هي كلفة أربعين يوما فقط، فمن يملك القدرة على تحمل فاتورة حرب أطول في المستقبل؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *