بعثة طلابية فرنسية تحول مدرسة قروية بتاونات إلى فضاء تربوي حديث. ورسالة مفتوحة حول واقع التعليم بالعالم القروي

رصد المغرب / عبدالعالي بريك


في مبادرة إنسانية نبيلة تعكس روح التضامن والتعاون الدولي، حلت بعثة طلابية فرنسية مكونة من 15 طالبا، مؤطرين من طرف 5 أساتذة، بمنطقة تاونات شمال المغرب، وذلك في إطار مهمة إنسانية امتدت من 8 إلى 19 أبريل 2026، بهدف دعم وتحسين ظروف التمدرس بالمجال القروي.

وتضم هذه البعثة 8 طلاب من مدينة بريف لا غايارد (IUT GEA) و7 طلاب من إيكس أون بروفانس، حيث اختاروا توجيه جهودهم نحو مدرسة “سد ساهلة” التابعة لجماعة زريزر، في خطوة عملية تروم إحداث تغيير ملموس في البنيات التحتية التعليمية وتعزيز البيئة المدرسية.

ومنذ الأيام الأولى، باشرت البعثة أنشطتها الميدانية عبر تنظيم عملية توزيع محافظ مدرسية لفائدة تلاميذ ست مؤسسات تعليمية، تحت إشراف جمعية متيوة للبيئة والتنمية المستدامة، وبشراكة مع إدارة المؤسسة. وقد تضمنت هذه المحافظ مستلزمات مدرسية، وألعابا، وملابس مناسبة، إلى جانب دعم اجتماعي موجه لأسر التلاميذ، ما خلف أصداء إيجابية كبيرة وسط الأطفال والأطر التربوية.

ولم تقتصر المبادرة على الجانب الاجتماعي، بل شملت أيضا أنشطة تربوية وترفيهية متنوعة، من ورشات تحسيسية وألعاب جماعية ومباريات في كرة القدم، إلى ورشات إبداعية، وهو ما ساهم في خلق أجواء من الفرح والتفاعل الإيجابي بين الطلبة والأطفال.

على مستوى البنية التحتية، شهدت مدرسة “باب الحمراء” عملية تأهيل شاملة لثلاث قاعات دراسية، حيث تم إنجاز أرضيات جديدة (chape) وتبليطها، إضافة إلى صباغة الجدران بألوان مبهجة مثل الأزرق والوردي والبنفسجي والأبيض، بهدف خلق فضاء محفز وجذاب للتلاميذ. كما تم تعزيز السلامة عبر تثبيت نوافذ جديدة مزودة بقضبان حماية.

وشملت الأشغال أيضا تهيئة الفضاء الخارجي، من خلال إنشاء ممر مغطى بالحصى لتسهيل الولوج، إلى جانب إحداث فضاء بيئي عبر تركيب حاويات لفرز النفايات وإنجاز مخمر (composteur)، في خطوة تروم إلى ترسيخ ثقافة الحفاظ على البيئة لدى الناشئة.

وفي إنجاز يعد الأول من نوعه بالمؤسسة، تم ربط المدرسة بشبكة الماء الصالح للشرب عبر تثبيت 400 متر من القنوات، مما مكن من توفير صنبور ومرفق مائي لفائدة التلاميذ، في تحسين جذري لظروف النظافة والصحة داخل المؤسسة.

واختتمت هذه الأشغال بعملية تبييض شاملة لمحيط المؤسسة باستخدام مادة الجير، ما منح المكان مظهرا موحدا وأضفى عليه طابعا من الصفاء والنظام.

ورغم التحديات المناخية التي تراوحت بين الأمطار والرياح وأشعة الشمس، فقد تميزت هذه المهمة بروح عالية من التعاون والتآزر بين الطلبة والحرفيين، لتتحول إلى تجربة إنسانية عميقة، تحمل في جوهرها رسالة أمل، وتسعى إلى إرساء أثر مستدام في حياة أطفال المنطقة.

غير أن هذه المبادرة، رغم رمزيتها وقيمتها الإنسانية الكبيرة، تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاهلها. ألم يحن الوقت بعد لإعادة توجيه الاهتمام بشكل جدي نحو تلاميذ القرى والمناطق الجبلية الذين يواجهون يوميا قسوة الطبيعة، بين حر شديد وبرد قارس، في ظل غياب وسائل النقل وافتقارهم لأبسط شروط التعلم الكريم؟

أليس من الأولى أن تنطلق مثل هذه المبادرات من داخل الوطن، من طرف من يملكون القرار والإمكانيات، بدل أن تأتي من طلبة أجانب قطعوا آلاف الكيلومترات ليقدموا نموذجا يحتذى به في التضامن والعمل الإنساني؟

إن ما تحقق على أرض الواقع يبعث على الفخر، ويستحق كل عبارات التقدير والامتنان لكل من ساهم في دعم ومساندة هؤلاء الأطفال، لكنه في الآن ذاته يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ويدعو إلى الانتقال من المبادرات الظرفية إلى رؤية مستدامة تضمن لأطفال العالم القروي حقهم الكامل في تعليم لائق وظروف إنسانية كريمة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *