كيف تغيرت صورة ترامب في ميزان السياسة الدولية من الهيبة إلى الارتباك؟

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي


قبل أن تحط طائرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين، كانت وسائل الإعلام الأمريكية تمهد لزيارة وصفت بأنها محطة سياسية كبرى، وسط توقعات بأن تحمل صورا ومشاهد تعزز صورته السياسية أمام جمهوره. فقد بدا أن ترامب كان يطمح إلى استقبال استثنائي من نظيره الصيني  جي شين، يتجاوز ما شاهده خلال زيارته الأولى عام 2017، بما في ذلك مظاهر احتفالية وعروض رسمية تعكس مكانته الدولية.

غير أن المشهد، بحسب الطرح الوارد، جاء مختلفا عن التوقعات. فقد بدا الاستقبال أقل زخا مما كان ينتظر، ما اعتبر إشارة سياسية مقصودة من الجانب الصيني، خاصة لرئيس اشتهر بالاعتماد على الصورة الإعلامية والرسائل الرمزية في تعزيز حضوره السياسي.

وفي أحد أبرز تفاصيل الزيارة، تم اصطحاب ترامب إلى حديقة خاصة داخل المجمع الرئاسي الصيني، وهو ما اعتبره لحظة رمزية مميزة. ويقال إنه سعى لمعرفة ما إذا كان هذا الامتياز قد منح لقادة آخرين من قبل، ليتلقى إجابة مفادها أن شخصيات محددة سبق أن حظيت بهذه اللفتة، من بينها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن. ووفق الرواية المطروحة، فإن هذه الإجابة أضعفت الطابع الاستثنائي الذي كان يأمل أن تحمله تلك اللحظة.

كما أثيرت ملاحظات حول التفاصيل البروتوكولية ولغة الصورة خلال اللقاءات الرسمية، حيث لوحظ تقارب في مستوى الجلوس بين الرئيسين رغم فارق الطول المعروف بينهما. وفسر البعض ذلك باعتباره جزءا من إدارة دقيقة للرموز البصرية والدبلوماسية، في إطار الرسائل غير المباشرة التي غالبا ما ترافق اللقاءات بين القوى الكبرى.

وعقب انتهاء الزيارة، تحدث ترامب عن نتائج اقتصادية وصفها بالمهمة، متطرقا إلى صفقات محتملة مع الصين، خاصة في قطاع الطيران. إلا أن الأرقام المعلنة لاحقا جاءت، بحسب منتقديه، أقل من سقف التوقعات التي جرى الترويج لها، ما فتح الباب أمام تشكيك في حجم الإنجاز الفعلي للزيارة وانعكاساته الاقتصادية.

لكن السؤال الأبرز الذي يطرحه هذا السرد، هو لماذا تغيرت طريقة تعامل العالم مع ترامب؟ ولماذا بدت بعض القوى الدولية أكثر استعدادا لمعارضته أو عدم الاستجابة لضغوطه؟

تطرح هذه الرؤية تفسيرا مفاده أن مواقف بعض الدول، وعلى رأسها إيران، ساهمت في تغيير الصورة الذهنية عن أسلوب ترامب التفاوضي. فبحسب هذا التصور، فإن اعتماد سياسة المواجهة وعدم تقديم تنازلات سهلة أمام الضغوط الأمريكية شجع قوى أخرى، مثل الصين وبعض الدول الأوروبية، على اتباع نهج أكثر استقلالية في التعامل معه.

وفي ملفات حساسة مثل تايوان والعلاقات مع الصين، بدا ترامب أكثر حذرا في تصريحاته، متجنبا تقديم التزامات واضحة بشأن احتمالات التدخل العسكري أو تصعيد التوترات، وهو ما اعتبره منتقدوه مؤشرا على تغير في نبرة الخطاب مقارنة بمواقفه السابقة الأكثر حدة.

أما في ما يتعلق بملف التجسس المتبادل بين واشنطن وبكين، فقد أثارت بعض تصريحاته نقاشا واسعا، خاصة عندما أشار إلى أن عمليات التجسس بين الدول الكبرى ليست أمرا استثنائيا، وهو طرح فسره البعض باعتباره براغماتية سياسية، بينما رآه آخرون مؤشرا على تراجع في لغة المواجهة.

خلاصو كل هذا، هو أن هذا الطرح يقدم صورة مفادها أن مرحلة النفوذ القائم على التهديدات والخطاب التصعيدي لم تعد تحظى بالتأثير ذاته الذي كانت تمتلكه سابقا، وأن المشهد الدولي يشهد تحولات تدفع نحو توازنات جديدة، تتراجع فيها فعالية أسلوب الضغط الأحادي لصالح معادلات أكثر تعقيدا وتعددية في موازين القوة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *