“خيبر شكن” الضربة التي استهدفت قلب المنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية وأعادت رسم معادلات الردع

رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي


بعد القصف الإسرائيلي العنيف والمتواصل على العاصمة اللبنانية بيروت، ساد اعتقاد واسع بأن المشهد قد حسم وأن تل أبيب نجحت في فرض معادلتها العسكرية الجديدة. فقد راهن كثير من المحللين في الغرب، بل وحتى داخل المنطقة، على أن إيران لن ترد على الضربات، وأنها لن تقدم على كسر قواعد الاشتباك المباشر خشية الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تستدرج الولايات المتحدة إلى مواجهة مفتوحة.

غير أن ما جرى خلف الأبواب المغلقة في طهران كان مختلفا تماما. فهناك اتخذ قرار حاسم وسريع، والأهم أنه كان قرارا نوعيا يستند إلى قناعة استراتيجية مفادها أن عدم الرد بقوة غير مسبوقة سيؤدي إلى انهيار منظومة الردع بالكامل، ويمنح إسرائيل حرية مطلقة في تنفيذ الضربات العسكرية متى تشاء وأينما تشاء.

لذلك لم يكن الرد مجرد إطلاق صواريخ بهدف حفظ ماء الوجه أو تسجيل موقف سياسي، بل كان عملية محسوبة استهدفت ما ينظر إليه على أنه أحد أهم مراكز القوة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية. وقد وقع الاختيار على قاعدة رامات ديفيد الجوية، التي تعد من أقدم وأهم القواعد العسكرية في شمال إسرائيل، والتي أسسها البريطانيون وتحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر المنشآت العسكرية تحصينا وحساسية.

هذه القاعدة لا تقتصر أهميتها على كونها مركزا للعمليات الجوية، بل تضم وحدات ذات طبيعة استخباراتية وتقنية متقدمة، وفي مقدمتها السرب 157، الذي ينظر إليه باعتباره عنصرا محوريا في منظومة الحرب الإلكترونية وجمع المعلومات والتشويش الكهرومغناطيسي. ومن هذا المنطلق، فإن استهدافه لا يعني ضرب هدف عسكري تقليدي فحسب، بل توجيه ضربة مباشرة إلى القدرات الاستخباراتية والتقنية التي يعتمد عليها الجيش الإسرائيلي في إدارة عملياته.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هو كيف يمكن إصابة هدف شديد التحصين يقع داخل قاعدة محمية بأنظمة دفاع متعددة الطبقات ووسط تضاريس معقدة؟

وفق هذه الرواية، فإن العملية جاءت نتيجة تنسيق استخباراتي وتقني بالغ الدقة. حيث قبل تنفيذ الضربة، كانت هناك عملية جمع معلومات طويلة الأمد، يشار في هذا السياق إلى الطائرة المسيرة المعروفة باسم “الهدهد”، التابعة للمقاومة اللبنانية، والتي قيل إنها تمكنت من اختراق الأجواء وجمع صور وبيانات تفصيلية ومسح ثلاثي الأبعاد للقاعدة.

ولم تستخدم هذه المعلومات في إطار الحرب النفسية فقط، بل جرى توظيفها، بحسب الرواية ذاتها، في بناء بنك أهداف دقيق تم إدخاله إلى أنظمة التوجيه الخاصة بالجيل الجديد من الصواريخ الإيرانية. وبذلك لم يكن الصاروخ يبحث عن قاعدة رامات ديفيد بشكل عام، بل عن موقع محدد داخلها يعتقد أنه يضم مقر السرب 157.

وأما السلاح المستخدم، فيقال إنه النسخة المطورة من صاروخ “خيبر شكن”، وهو صاروخ يتمتع بقدرات متقدمة في السرعة والتوجيه. حيث تشير التقديرات إلى أنه قادر على بلوغ سرعات تصل إلى 16 ماخ خارج الغلاف الجوي، وهي سرعات فرط صوتية تفرض تحديات تقنية كبيرة على أنظمة الرصد والتوجيه التقليدية.

وتستند فعالية هذا الصاروخ، بحسب ما يتداول، إلى امتلاكه منظومة توجيه متطورة قادرة على مقارنة الصور المخزنة مسبقا بالمعطيات التي يجمعها خلال المرحلة النهائية من التحليق، ما يسمح له بالوصول إلى هدفه بدقة عالية حتى في ظل محاولات التشويش الإلكتروني.

كما يتميز رأسه الحربي بقدرته على المناورة بعد العودة إلى الغلاف الجوي، حيث لا يتبع مسارا بالستيا تقليديا يمكن التنبؤ به، بل ينفذ سلسلة من المناورات الأفقية والعمودية التي تجعل اعتراضه أكثر تعقيدا بالنسبة لمنظومات الدفاع الجوي.

وبحسب هذه الرواية، فإن مختلف الأنظمة الدفاعية المنتشرة في محيط القاعدة، بما في ذلك القبة الحديدية ومقلاع داود ومنظومات أخرى، لم تتمكن من منع الصاروخ من بلوغ هدفه، ليصيب الموقع المحدد بدقة كبيرة.

وعقب الضربة، سعت إسرائيل إلى التقليل من حجم الأضرار، مؤكدة أن ما حدث لا يتجاوز تأثير شظايا أو بقايا عمليات الاعتراض. غير أن مؤيدي هذه الرواية يرون أن صور الأقمار الصناعية التجارية أظهرت أضرارا مباشرة داخل الموقع المستهدف، معتبرين أن ذلك يمثل دليلا على نجاح العملية.

وفي نظرهم، فإن ما جرى يتجاوز كونه ردا عسكريا محدودا، ليشكل نقطة تحول استراتيجية تحمل رسائل واضحة بشأن قواعد الاشتباك المستقبلية. لأن المعادلة التي أرادت إيران ترسيخها، وفق هذا التصور، تقوم على أن أي قاعدة تستخدم لاستهدافها أو استهداف حلفائها قد تصبح هدفا مباشرا للرد.

كما يرى أصحاب هذا الطرح أن التطور الذي شهدته تقنيات الصواريخ الدقيقة يفتح مرحلة جديدة في الصراع الإقليمي، حيث لم تعد الصواريخ مجرد أدوات قصف واسعة النطاق، بل أصبحت أسلحة ذكية قادرة على إصابة أهداف محددة بدقة كبيرة، الأمر الذي يفرض تحديات متزايدة على أنظمة الدفاع التقليدية.

وبذلك، ينظر إلى ضربة “خيبر شكن” باعتبارها إعلانا عن مرحلة جديدة من معادلات الردع في المنطقة، مرحلة تكتب ملامحها بتوازنات مختلفة ورسائل استراتيجية تتجاوز حدود الميدان العسكري المباشر.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *