المغرب

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي


عندما أُعلن عن استضافة المغرب لنهائيات كأس إفريقيا 2025، كان من المفترض أن يكون الحدث مناسبة للاحتفاء بإنجاز إفريقي كبير، وفرصة لإبراز صورة مشرقة عن القارة أمام العالم. غير أن ردود الفعل التي رافقت هذا الحدث كشفت عن مفارقة لافتة، فبدلا من أن يطغى الإعجاب بما تحقق، برزت موجة من الانتقادات والتشكيك والتذمر، وكأن النجاح نفسه أصبح موضع اتهام. وهنا يبرز السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه بصراحة، وهو ما الذي يزعج البعض حقا؟

على امتداد عقود طويلة، اعتادت الجماهير الإفريقية على رؤية بطولات تنظم في ظروف صعبة. ملاعب تستكمل أشغالها في اللحظات الأخيرة، بنية تحتية غير مكتملة، فنادق تعاني من نقص الخدمات الأساسية، شبكات نقل محدودة، ومشكلات تنظيمية تتكرر من دورة إلى أخرى. ورغم ذلك، كان الجميع يتعامل مع هذه الاختلالات باعتبارها أمرا طبيعيا، بل إن مجرد نجاح البطولة في الوصول إلى نهايتها كان يعد إنجازا يستحق الإشادة.

لكن عندما جاء الدور على المغرب، تغير المشهد بالكامل. فقد قدم نموذجا مختلفا يعتمد على التخطيط والاستثمار طويل المدى، وليس على الحلول المؤقتة المرتبطة فقط بتنظيم حدث رياضي. وجد الزوار أنفسهم أمام شبكة طرق حديثة تربط المدن الكبرى بكفاءة عالية، ومطارات متطورة تستقبل ملايين المسافرين سنويا، وفنادق ومنشآت سياحية تستجيب للمعايير الدولية، إضافة إلى منظومة نقل متقدمة جعلت التنقل بين المدن أمرا سهلا وسريعا. ومن أبرز ما لفت الانتباه القطار فائق السرعة الذي اختصر المسافات بين المدن المغربية في وقت قياسي، مقدما نموذجا نادرا في القارة الإفريقية.

وأما الملاعب، فقد ظهرت بمستوى يضاهي كبريات المنشآت الرياضية العالمية. أرضيات عالية الجودة، تجهيزات تقنية حديثة، شاشات عملاقة، مرافق متكاملة للجماهير ووسائل الإعلام، وأجواء احتفالية تعكس شغف المغاربة بكرة القدم. ولم يكن الأمر مجرد بناء ملاعب لاستضافة مباريات، بل كان جزءا من رؤية أشمل تهدف إلى جعل الرياضة رافعة للتنمية الاقتصادية والسياحية والثقافية.

ولم تقتصر الصورة على البنية التحتية فقط، بل امتدت إلى المشهد العام للبلاد. مدن نظيفة ومنظمة، فضاءات عامة مجهزة، تنوع طبيعي فريد يمتد من سواحل المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط إلى جبال الأطلس والصحراء الشاسعة، وموروث ثقافي وحضاري عريق يعكس قرونا من التفاعل بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا. كل ذلك منح الزوار تجربة تتجاوز حدود متابعة مباريات كرة القدم لتصبح فرصة لاكتشاف بلد يمتلك هوية خاصة ومكانة متميزة داخل القارة.

لكن هذا النجاح لم يمر دون أن يثير ردود فعل سلبية لدى بعض الجهات والأصوات. فبدلا من النظر إلى ما تحقق باعتباره مكسبا إفريقيا جماعيا، ظهرت محاولات للتشكيك في انتماء المغرب الإفريقي أو التقليل من أهمية إنجازاته. وكأن بعضهم يرى أن أي دولة إفريقية تحقق مستوى مرتفعا من التطور يجب أن تتهم بالابتعاد عن محيطها الطبيعي. وتكررت ادعاءات تربط نجاح المغرب بعلاقاته مع أوروبا أو بانفتاحه على العالم العربي، في محاولة للإيحاء بأن التقدم لا يمكن أن يكون إفريقيا خالصا.

غير أن هذه النظرة تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن إفريقيا ليست هوية جامدة أو نموذجا واحدا للتنمية. القارة تضم عشرات الدول والثقافات والتجارب المختلفة، ومن الطبيعي أن تسلك كل دولة طريقها الخاص نحو التقدم. كما أن التعاون مع مختلف الشركاء الدوليين لا يلغي الانتماء الإفريقي، بل قد يكون وسيلة لتعزيز الحضور داخل القارة نفسها. والمغرب، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه الممتد، اختار أن يبني جسورا مع محيطه الإفريقي والعربي والأوروبي في الوقت نفسه، مستفيدا من هذه الروابط لتعزيز مكانته الاقتصادية والدبلوماسية.

وخلال السنوات الماضية، عزز المغرب حضوره في إفريقيا من خلال استثمارات ومشاريع تنموية وشراكات اقتصادية في مجالات متعددة، كما ساهم في برامج التكوين ونقل الخبرات والتعاون التقني والإنساني. وقد عمل على توسيع علاقاته مع العديد من الدول الإفريقية انطلاقا من رؤية تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة، وهو ما جعله فاعلا مهما في عدد من الملفات الاقتصادية والاستراتيجية داخل القارة.

وربما يكمن جوهر الجدل في أن المغرب لم يكتف بتحقيق النجاح لنفسه، بل ساهم في رفع سقف التوقعات. فعندما يثبت بلد إفريقي أن بإمكانه تنظيم تظاهرة رياضية كبرى وفق معايير عالمية، فإنه يغير الصورة النمطية التي طالما ارتبطت بالقارة. وعندما يرى العالم بنية تحتية حديثة ومؤسسات فعالة ومستوى تنظيميا متقدما داخل دولة إفريقية، فإن ذلك ينسف كثيرا من الأحكام المسبقة التي ظلت تلاحق إفريقيا لعقود.

ولهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى التجربة المغربية باعتبارها استثناء يثير الحساسية، بل باعتبارها دليلا على ما تستطيع إفريقيا تحقيقه عندما تتوفر الإرادة والرؤية والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية. فنجاح المغرب لا ينتقص من أي دولة أخرى، بل يفتح الباب أمام الجميع لرفع مستوى الطموح وتبني معايير أعلى في التنمية والتنظيم والإدارة.

وخلاصة كل ذلك، لا يتعلق الأمر ببطولة لكرة القدم فقط، بل بصورة قارة بأكملها ومستقبلها. وإذا كان المغرب قد قدم نموذجا مختلفا خلال استضافته لكأس إفريقيا 2025، فإن الرسالة الأهم هي أن إفريقيا قادرة على منافسة أفضل التجارب العالمية عندما تؤمن بإمكاناتها وتستثمر في قدراتها. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفاء بالنجاح ودعمه يبدو أكثر فائدة للقارة من الانشغال بالتشكيك فيه أو التقليل من قيمته، لأن التقدم الحقيقي لا يتحقق بانتقاد النماذج الناجحة، بل بالاستفادة منها والبناء عليها.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *